إغلاق سيمالكا: كمن يطلق النار على قدمه

يحمل إغلاق معبر سيمالكا مع كردستان العراق من قبل حكومة الإقليم أبعاداً أكثر ضرراً من مجرد قطع الشريان الرئيس لمناطق الإدارة الذاتية. فحتى وإن كان هناك خط تجارة مزدهر مع مناطق النظام السوري، وحتى إن كانت الإشاعات التي تحدثت عن اتفاق النظام السوري مع تركيا لفتح معبر نصيبين صحيحة، فإن إغلاق المعبر لأمد غير معلوم يحمل وجهاً من وجوه الحرب الأهلية حين يتصرف كل جزء من البلد نفسه، كردستان الكبرى في هذه الحالة، على أنها وحدة قائمة بذاتها دون أي صلات شعبية مع الأجزاء الأخرى.

من جهة، يظهر هذا الإغلاق، كما تظهر مبرراته، مدى هشاشة العلاقات الكردية – الكردية التي يمكنها أن تنحدر إلى قيعان غير مسبوقة لم يصلها إلا أعداء الكرد. إذ لا يفترض بالحجارة نفسها التي ألقاها بعض الشباب على بيشمركة الحدود أن تؤدي إلى إغلاق المعبر، بل يجب أن يكون هناك من يحولها إلى جبل يقطع النور والهواء عن “جزء من شعبه” وفق ما يعتقده معظم الكرد. صحيح أن العلاقات بين الكرد على طرفي دجلة لم تكن في يوم من الأيام مضرب مثل لكيفية إدارة الصراعات السياسية ضمن الشعب الواحد، إلا أنها كانت حتى قبل إغلاق المعبر تقتصر على استهداف الأطراف المعنية مباشرة من هذا الصراع، من المناوشات العسكرية في خاني صوري، إلى اعتقال ممثلي الإدارة الذاتية في كردستان العراق، وحتى الاعتداء على المقار الحزبية التابعة للمجلس الوطني الكردي. ما يميز هذه الممارسات، رغم سوءها، أنها لم تستهدف الشعب الكردي بشكل مباشر، على عكس النتائج المباشرة لإغلاق معبر سيمالكا، وهي إلحاق الضرر المباشر بالشعب نفسه.

اقرأ أيضاً: لهجةُ النظام إذ تواجه اللغة الكردية في سوريا

من جهة أخرى، يظهر إغلاق المعبر تراجع أهمية الانقسامات الحزبية مقابل تزايد في أهمية الانقسامات المناطقية. لا شك أن من أصدروا قرار إغلاق المعبر يعلمون على وجه اليقين أنهم سيلحقون أذىً اقتصادياً كبيراً بسكان شمال شرقي سوريا، ومن ضمنهم فئة كبيرة من البرزانيين. ورغم ذلك اتخذوا قرارهم هذا، ليس لأنهم لا يهتمون بمعاناة البرزانيين هنا، ولكن لأنهم لم يعودوا يعتبرون أنه ثمة برزانيون أصلاً في المنطقة أو أن لهم نفوذاً شعبياً فيها، بل باتوا يتصرفون بعقلية أنهم دولة أخرى تماماً تسعى لامتلاك النفوذ والتأثير في قرارات المنطقة عبر قيادات الأحزاب السياسية وليس عبر القاعدة الشعبية، كما تفعل بكردستان العراق كل من تركيا وإيران اللتان أغلقتا معابرهم معها، كما تفعل هي مع شمال شرقي سوريا. ولكن حتى لو تكن هذه النتائج مقصودة، فإنها ستتحقق إن بقي المعبر مغلقاً إلى أجل طويل، إذ لن يسع المتضرر من هذا الإغلاق، حتى وإن كان برزانياً عتيقاً، إلا التفكير في أنهم يتعرضون للعقاب بسبب بعض الحجارة التي ألقاها شباب لا أحد، على ما يبدو، يملك القدرة على إيقافهم.

رغم وجود جزء من الكرد السوريين المؤيدين لإغلاق معبر سيمالكا، إلا أن هذا لا ينفي أن الغالبية العظمى من السكان باختلاف توجهاتهم السياسية، ومن بينهم المؤيدون لهذا القرار، يتعرضون لعقاب جماعي دون وجه حق. فلو أن تنظيم الشبيبة الثورية فعل فعلته هذه على الحدود مع تركيا، وهم لا يلقون الحجارة عادة إلا على الأصدقاء، كالأمريكان والكرد، لكان رد فعل مشابه من تركيا أمراً غير مستغرب، فهي في الواقع ليست فقط دولة أخرى تماماً، بل دولة عدوة أيضاً، وبدل أن يأخذ الكرد رد الفعل الأمريكي تجاه رشقات سابقة بالحجارة كهذه، وهي التجاهل التام، كمثال يحتذى، يقومون بتكريس الانقسام في كردستان على خطوط التقسيم الدولية، وهو ما لم يكن يمكن التفكير فيه سابقاً على المستوى الشعبي، إذ صحيح أن كردستان كانت مقسمة، ولكن على أساس حزبي يختلط في جميع المناطق وأن الحالة الوحيدة للانقسام المناطقي بين السليمانية وأربيل جاءت نتيجة حرب أهلية ليست من مصلحة أحد إعادة إنتاجها. إذاً، ما يؤمل من كردستان العراق هو أن تكون أكثر حلماً، وألا تطلق النار على قدمها وقدم الكرد أثناء سعيها للانتقام من بضعة شباب ألقوا بعض الحجارة عليها، وتلقوا حجارة مقابلها.

شارك المقال على:
Share on facebook
Share on twitter
مقالات ذات صلة:

تقارير وتحقيقات

آخر الأخبار

مساحة نسوية

أرشيف الاتحاد