نقاش في أسباب الاستعصاء السوري

بات الاستعصاء من أهم سمات الوضع السوري، والقصد أن كل شيء يبدو عصيا على التغيير، رغم كل المحاولات والمعاناة والتضحيات، علما إن تلك كانت سمة للنظام الأسدي منذ تأسيسه (1970)، فمنذ حينه دخلت سوريا عصر الجمود، في السياسة والاقتصاد، في الدولة والمجتمع. المعنى من ذلك أن الاستعصاء الحاصل خلال السنوات العشر الماضية، بعد الثورة، هو بمثابة استمرارـ أو امتداد، لسابقه، وأن تلك الثورة، مع الأسف، لم تستطع كسر تلك الحالة، رغم جرأتها، وقوتها، والأثمان الباهظة التي دفعت في سبيلها.

هكذا ثمة اليوم استعصاء على جبهة النظام، إذ لم يذهب نحو أية تغييرات في مبنى ومعنى الحكم، رغم كل ما حصل في سوريا، على صعيد هيمنة أطراف دولية وإقليمية على البلد، أو لجهة الخراب الدولتي والمجتمعي الحاصل، وطبعا ثمة استعصاء في قدرته على استعادة سيطرته على مجمل الأراضي السورية، وفي قدرته على إخضاع كل السوريين. في المقابل لا يبدو الوضع على جبهة المعارضة أفضل، إذ هي في حالة ضعف وتمزق وضياع شديد، نتيجة عوامل موضوعية وذاتية معروفة، في حين المعارضة الرسمية السائدة، مرتهنة، وهي بهزالها لا تستطيع شيئا، سوى تغطية سياسات داعميها، أو مشغليها، الخارجيين. وفي كل الأحوال فإن السوريين هم الغائب الأكبر عن كل المعادلات، السياسية، سواء كانت الصراعية، أو التفاوضية.  

يمكن تفسير ذلك بعوامل عدة، أهمها: أولا، العنف التدميري الذي انتهجه النظام، والذي تصرّف ضدّ شعبه، منذ البداية، كأنه قوة غريبة، أو قوة احتلال. ثانيا، تخاذل المجتمع الدولي، رغم أن ما حصل، وضمنه استخدام الطائرات والكيماوي، لكسر أكثرية السوريين، غير مسبوق، وغير مقبول في المعايير الدولية، إلى درجة يمكن القول معها بأن حال الثورة السورية ربما كانت أفضل من دون دعم خارجي، تبين عن أوهام، أو ربما كانت الخسائر أقل، في أقل تقدير. ثالثا، طول أمد الصراع، مع عدم قدرة المعارضة على استنهاض أحوالها، وتشكيل حالة استقطاب تمهد لخلق اجماعات وطنية جديدة بين السوريين. رابعا، تفجّر التناقضات والانشقاقات في مجتمع السوريين، على خلاف ما حصل في ثورات الربيع الأخرى (باستثناء الحالة اليمنية)، وهو الأمر الذي خدم النظام وأضر بالمعارضة. خامسا، تعذّر توليد مركز قيادي أو مرجعية مؤسّسية للثورة، في السياسة والعسكرة والعمل المدني.

اقرأ أيضاً: عن سوريا التي تحتضر

المشكلة أن هذه العوامل ولّدت بدينامياتها تحوّلات نوعية، وعميقة، أثرت سلبيا على مسار الثورة والمعارضة، بحكم عديد من الانزياحات والتحولات. أولها، إزاحة الناشطين المدنيين، والسلميين، وتمثيلاتهم السياسية، مقابل طغيان البعد العسكري، وهيمنة الجماعات العسكرية، على تبايناتها، على مشهد الثورة والمعارضة. وبالنتيجة فقد اختفت أشكال النضال السلمية والشعبية، وبات الصراع كأنه بين النظام ومجرد جماعات المسلحة، ذات صبغة دينية، لا سيما أن اختفاء هذا النوع من الناشطين، في المعتقلات أو بخروج غالبيتهم من البلد، تلازم مع تزايد ظاهرة قدوم مقاتلين أجانب للانضمام الى الجماعات العسكرية المتشددة التي تتغطى بالإسلام، ما سهل على النظام استخدام قوته المفرطة في محاولته وأد الثورة، والترويج لروايته على الصعيدين الداخلي والخارجي.

الإزاحة الثانية، شملت «الجيش الحرّ»، الذي انبثق من ظاهرة المنشقين عن الجيش النظامي، والذي بات أضعف المكونات العسكرية، مع أنه الأسبق عليها، بحيث لم يعد يبقى منه سوى الاسم. وقد نجم عن ذلك أن الجماعات العسكرية الإسلامية، المدعومة من دول إقليمية، باتت هي التي تحتل المشهد العسكري، رغم تخبّطها في إدارة المناطق المحررة، وانتهاكها الحريات فيها، وتشدّدها مع المعارضين، وبخاصة رغم التساؤلات المطروحة حول حكمة خططها العسكرية، ونجاعة إدارتها معاركها ضد النظام. وفوق ذلك فما يؤخذ على تلك الفصائل تسرّعها في مصادرة مستقبل سورية، والتقرير بهذا الشأن، بقوة السلاح، من دون مراعاة التعددية والتنوع في المجتمع، الأمر الذي قد يهدّد الوحدة الإقليمية والمجتمعية للبلد.

ويمكن تمثل الإزاحة الثالثة بدفع الثورة من المدن وحصرها بالأرياف الطرفية، حيث توخّى النظام من ذلك الظهور بمظهر المدافع عن الطبقات الوسطى، والاستقرار المديني، ونمط الحياة في المدن، فيما يعتبره مواجهة مع الفئات الريفية، والقوى الطائفية، والجماعات الدينية المتطرفة. وطبعاً فإن النظام توخّى من ذلك، أيضاً، الحفاظ على تجميع قواته العسكرية، وعدم نشرها، أو تشتيتها، في المناطق السورية الواسعة، باعتبار أن تركيز قواه في المناطق المدينية قد تمكنه من محاصرة واستنزاف المناطق الريفية وإضعاف شوكة الثورة، وتشتيت قواها.

بيد إن الإزاحة الأكبر والأكثر عمقاً وخطورة، وهي الرابعة، تمثلت بإزاحة الشعب، بإخراجه من معادلات الصراع، وهو أمر ما كان ليحصل لولا انتهاج النظام لمنهج تدمير البيئات الحاضنة للثورة والمتعاطفة معها، وتدفيعها أثماناً باهظة، وضمن ذلك تدميره أحياء بأكملها في المدن، ما أدى إلى تشريد الملايين، مع حرمانهم من الأملاك وأماكن العمل والقدرة على العيش. ولا شك في أن هذه الحالة أثقلت على الثورة، كما جعلتها بمثابة عبء على المجتمع، مع كل هذه الكلفة البشرية والمادية. والمشكلة أن قوى الثورة المسلحة لم تشتغل على نحو يوحي بأنها تدرك مقاصد النظام، بل تصرّفت على العكس من ذلك، بتسهيلها الأمر له، بانتهاجها استراتيجية احتلال مناطق، بغض النظر عن قدرتها على الاحتفاظ بها أو تمكين أهلها من العيش فيها.

أما الإزاحة الخامسة، فتتعلق بتغير معنى ثورة السوريين، فهذه لم تعد ثورة على الاستبداد، فقط، إذ بات الأمر، كما قدمنا، يتعلق بتحقيق أو عدم تحقيق توافقات حول المستقبل المشترك للسوريين، وضمنه ما إذا كانت هذه ثورة سياسية وديموقراطية أم أنها ثورة طائفية أو دينية.

هكذا وكتحصيل حاصل لما سبق، يمكن الحديث عن الإزاحة السادسة المتعلقة بانحسار البعد الداخلي لمصلحة البعد الخارجي، مع كل هذا الاستعصاء الناجم عن عدم قدرة النظام على الاستمرار، وعدم قدرة الثورة على الحسم لمصلحتها، بالوسائل السلمية أو العسكرية، سيما مع ارتهانها للخارج، ومع اختفاء الشعب من هذه المعادلة، ومع كل التلاعبات والتوظيفات من قبل اللاعبين الدوليين والإقليميين في الوضع السوري.

قصارى القول، فإن مصير سورية بات اليوم في عهدة التوافقات الدولية والإقليمية أكثر مما هو في عهدة طرفي الصراع (نظاما ومعارضة)، والأهم انه لم يعد يتوقف على نتائج الصراع الدامي والمدمر على الأرض. كان الله في عون السوريين.

شارك المقال على:
Share on facebook
Share on twitter
مقالات ذات صلة:

تقارير وتحقيقات

آخر الأخبار

مساحة نسوية

أرشيف الاتحاد