“بانشير” والتاريخ الأفغاني الذي يعيد نفسه

بعد انسحاب الاتحاد السوفييتي السابق من أفغانستان، في شباط/ فبراير 1989، لم يصمد نظام الحكم الشيوعي برئاسة محمد نجيب الله طويلاً، وسقط في ربيع 1992، لتُطوى صفحة “جمهورية أفغانستان الديمقراطية”، بتشكيل “حكومة المجاهدين” التي أعلنت قيام “دولة أفغانستان الإسلامية”. في ذلك الحين، أصبح أحمد شاه مسعود وزيراً للدفاع، وهو الذي ذاع صيته واحداً من ألمع القادة العسكريين والسياسيين الأفغان خلال سنوات ما عُرِف بـ”الجهاد الأفغاني” ضدّ السوفييت1979)  – 1989)، حتى لُقّب بـ”أسد بانشير” لشجاعته وحنكته العسكرية، ونسبةً إلى معقله الرئيسي، في ولاية بانشير الواقعة إلى الشمال الشرقي من العاصمة كابول.

لم يكن “حكم المجاهدين” مستقرّاً، إذ عصفت به الفوضى والانقسامات والصراعات الدموية بين أمراء الحرب من أخوة السلاح وقادة الجهاد السابقين، فضلاً عن ظهور حركة “طالبان” (1994)، وشروعها في تمرّدٍ مسلّح اتّسع نطاقه في وقت قياسي ضدّ ذلك الحكم الفاشل والهشّ. لم تفلح محاولات قوّات وزير الدفاع أحمد شاه مسعود في السيطرة على الموقف، وانتهت جهوده في إقناع قادة “طالبان” بالمشاركة في الحكم إلى الفشل، فبلغت “حكومة المجاهدين” نهايتها في 27 أيلول/ سبتمبر 1996، حين تمكّن مقاتلو الحركة من السيطرة على كابول، وتولّي السلطة للمرّة الأولى وإعلان “الإمارة الإسلامية”.

إثر سقوط العاصمة، غادر معظم القادة الأفغان البلاد، لكنّ أحمد شاه مسعود اختار البقاء، وعاد اسمه ليبرز مجدداً، بوصفه أشدّ المعارضين لحكومة “طالبان”، وقاد تحالفاً عسكرياً وسياسياً ضدّها، انطلاقاً من معقله الحصين في بانشير. وبقي الرجل صاحب تأثيرٍ كبيرٍ في المشهد الأفغاني، حتى اغتياله في 9 أيلول/ سبتمبر 2001، على أيدي عناصر من تنظيم “القاعدة”، حليف “طالبان” الرئيس آنذاك، قبل يومين من الهجمات الشهيرة على برجي مركز التجارة العالمي التي اتخذتها الولايات المتحدة ذريعةً لغزو أفغانستان وإسقاط حكم “طالبان”.

وبعد عودة “طالبان” إلى السلطة، بالتزامن مع الذكرى العشرين لاغتيال أحمد شاه مسعود، بدا أنّ التاريخ الأفغاني يكرّر أحد مشاهده، بالأسماء والجغرافيا والصراعات نفسها، حيث يعيد أحمد مسعود الابن 32) عاماً)، سيرة والده في مقاومة حكم “طالبان”، فهو لم يكتفِ بإعلان رفضه الاعترافَ بسلطة “الإمارة الإسلامية”، بل سعى إلى جمع أنصاره لمواجهتها، ويقود الآن ما يسمّى “المقاومة الشعبية الأفغانية”.

اقرأ أيضاً: عتّالو كردستان إيران: الدّم مقابل الغذاء

افتتحت “المقاومة الشعبية” عملياتها للعام الجديد بالإعلان عن قيام عناصرها بمهاجمة قوة من طالبان، كانت قادمة من ولاية “بدخشان” شمال البلاد، باتجاه ولاية بانشير، المعقل الرئيسي للمقاومة، ونجاحهم في أسر قيادي بارز من طالبان، يدعى “مولوي أمان ‌الدين منصور” ونقله إلى جهة مجهولة، بعد محاصرة موكبه والاشتباك مع حمايته وقتلهم. و”المولوي منصور” هو “حاكم ولاية بدخشان”، وفق التعريف به في حوار سابق معه، نشرته مجلة “الصمود” في آذار/ مارس الماضي، وهي “مجلة إسلامية شهرية يصدرها المركز الإعلامي لإمارة أفغانستان الإسلامية”.

وبمثل ما خاطب أحمد شاه مسعود الأميركيين قبل ربع قرن، طالباً منهم مساندته في قتال “طالبان” حين استولت على السلطة في السابق، حاول نجلُه طلب الدعم الغربي ما إن دخلت قوّات “طالبان” كابول، منتصف آب/ أغسطس 2021. فقد وجّه أحمد مسعود (الابن) نداءاته إلى الغرب، ونشر رسالة في صحيفة “الواشنطن بوست” ناشد من خلالها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، تقديمَ الدعم له. ومما جاء في رسالته تلك: “بغض النظر عما يحدث، سندافع عن بانشير أنا والمجاهدون باعتبارها آخر معقل للحرية في أفغانستان، ومعنوياتنا عالية، نعرف من التجربة ما ينتظرنا. لكننا بحاجة إلى المزيد من الأسلحة والذخيرة والإمدادات”، ومقالاً آخر في صحيفة “لا ريبوبليكا” الإيطالية، بعنوان “نحن المقاومة وعلى العالم أن يساعدنا”. لكن الدعم الغربي لم يصل، وبانشير سقطت بأيدي طالبان، ورغم ذلك يواصل معارضو الحركة من أنصار مسعود عملياتهم المسلّحة بين الفينة والآخرى.

على صعيد آخر، كثيراً ما كان للاعتبارات الإثنية دورها في حروب أفغانستان، وسيبقى لهذا العامل دوره في المشهد الأفغاني. فمسعود وأنصاره وغالبية سكان بانشير هم من الطاجيك، ويمكن للدعم القادم من الجارة الشمالية طاجيكستان، ومن ورائها روسيا، أن يسهم في تعزيز مقاومتهم وتصعيدها، خاصّة وأنّ عودة “طالبان” إلى السلطة لم ترق لطاجيكستان. ولا يبدو من قبيل المصادفة أنّ تتزامن عودة الحركة إلى الحكم مجدداً، مع إصدار الرئيس الطاجيكي “إمام علي رحمان” مرسوماً بمنح وسامٍ رفيعٍ لكل من أحمد شاه مسعود والرئيس الأفغاني الراحل برهان الدين رباني، “تكريماً لإسهامهما البالغ في إنجاح مفاوضات السلام إبان الحرب الأهلية في طاجيكستان (1992- 1997)”، وهما اللذان عُرفا بمناهضتهما لطالبان.

المؤشرات السابقة توحي بأنّ فصول حروب أفغانستان لم تنتهِ بعد، وتكرار عمليات المقاومة في بانشير وغيرها، سيزيد المهمة تعقيداً على قادة طالبان الذين لديهم ما يكفي من تحديات داخلية وخارجية يتحتّم عليهم مواجهتها. والحاضر، حين يصبح نسخةً عن ماضٍ لا يمضي، يجعل المستقبلَ معلّقاً في فضاء المجهول، إلى أن تستأنف عجلة التاريخ دورانها.

شارك المقال على:
Share on facebook
Share on twitter
مقالات ذات صلة:

تقارير وتحقيقات

آخر الأخبار

مساحة نسوية

أرشيف الاتحاد