“الشبيبة الثورية” كأزمة للإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا

مر حدث اعتداء عناصر من منظمة الشبيبة الثورية “جوانين شورشكر” على تجمع احتفالي للمجلس الوطني الكردي بيوم العلم الكردي، كغيره من الأحداث المؤسفة التي شهدتها المنطقة، رغم الوعود الّتي أطلقها قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، بملاحقة الفاعلين ومحاسبتهم.

بالمطلق، لا يمكن أن يقبل اعتداء الشبيبة الثورية على مناصري المجلس الوطني الكردي، لكن شهدت الحادثة تفصيلاً آخر، ويشكل بادرة خطرة جداً، فإحدى مقاطع الفيديو المنتشرة عن الحادثة تظهر اعتداء عناصر من الشبيبة الثورية على أعضاء من قوات الأمن الداخلي الآسايش، وهم يحاولون منهم من الهجوم على مقر المجلس الوطني الكردي في الدرباسية.

هذا المشهد ليس مجرد تفصيل صغير في إشكال بين مشجعي فريقين رياضيين، أو مشاجرة عابرة بين مجموعة شبان، بل هي اختزال لسوء الحال الذي يعيشه مواطنو مناطق سيطرة الإدارة الذاتية، وبمعنى أقسى وأوضح الأزمة التي تعيشها الإدارة الذاتية.

وتعّدت تصرفات الشبيبة الثورية الناسفة لحقيقة فعالية مؤسسات الإدارة الذاتية، وحيادتها أمام مواطنيها وقدرتها على حمايتهم، على اختلاف مشاربهم السياسية، الحدود الجغرافية القانونية للإدارة، وما اعتداء عناصر الشبيبة الثورية على حرس معبر بيشخابور-سيمالكا الحدودي مع إقليم كردستان، دون أن تستطيع قوى الأمن وحرس معبر سيمالكا منعهم، ومن ثم دفاع مسؤول المعبر من جانب الإدارة عن هذا التصرف إلا ترجمة واضحة لقدرات الشبيبة الذاتية المتعدية لسلطة الإدارة الذاتية.

وقبل ذلك، تابعنا كيف قامت الشبيبة الثورية بخطف فتيات قاصرات، من مدينة عامودا لتجنيدهن ضمن صفوفها، وتحويلهن لمقاتلات وفقاً لأيديولوجيا هذه المنظمة، وعدم قدرة مؤسسات الإدارة الذاتية على إعادة الفتيات، وعشرات القاصرات اللاتي خطفتهن المنظمة، لأهاليهنّ ومقاعد الدراسة.

اقرأ أيضاً: عن سوريا التي تحتضر

هذا التغوّل للشبيبة الثورية، وعدم انصياعها لقوانين سنتها الإدارة الذاتية، مؤشرات كافية لمعرفة حال الإدارة الذاتية، التي تتصرف على أنها سلطة فعلية، من حيث سن القوانين والتشريعات، وفرض الضرائب وجبايتها، وطلبها من سكان منطقة نفوذها احترام مؤسساتها.

فهذه الأحداث كشفت، أن الإدارة الذاتية لم تخرج عن كونها سلطة تابعة لفكر سياسي معين، وجهة سياسية بعينها وهي حركة المجتمع الديمقراطي، رغم أن كل تصريحات مسؤولي الإدارة الذاتية تؤكد أنها سلطة محايدة، لا تتبع لأي طرف سياسي. لا ينكر أحد على الإدارة الذاتية، أنها الأفضل مقارنة بمناطق النظام السوري، ومناطق المعارضة السورية، لكن كسبها لأفضليتها يأتي من أنها استطاعت ضبط الأمن في منطقة سيطرتها، ووجود سلطة واحدة تحكم كامل جغرافية سيطرة الإدارة الذاتية، على عكس مناطق النظام والمعارضة التي تحكمها مزاجية الميليشيات المتقاسمة لجغرافية تلك المناطق، وأيضاً من أنها أكثر مرونة وانفتاحاً من المناطق الأخرى التي تحكمها ميليشيات متطرفة فكرياً تفرض أفكارها بالإكراه على الناس.

لكن، والحال على ما هو عليه، تقترب الإدارة الذاتية خطوة نحو تحويل منطقتها لشبيهة لباقي المناطق، وخسارة ميزة الأفضلية، فالشبيبة الثورية هذه المنظمة غير الرسمية وغير واضحة المعالم والهيكلية، بتطرفها وتجاوزها للسلطات، وتفقد الإدارة شيئين هما الأمن وعدم التطرف.

وبالعودة لحدث المعبر، والذي شكل ضربة قاسية، ليس للإدارة الذاتية فقط، بل لكل سكان المنطقة، اللذين باتوا اليوم في حصار كامل، ويواجهون تدهور الوضع الاقتصادي، وفايروس كورونا، دون أن تمد لهم يد العون، خاصة أن معبر الوليد مع إقليم كردستان العراق، كان منفذاً لدخول السلع والمساعدات الشحيحة للمنطقة، وأيضاً كنافذة صغيرة للمنطقة على العالم، بعد أن أغلق النظام السوري والدولة التركية المنافذ التي تربط المنطقة معهم. وأيضاً يصدر الموقف التي وضعت الإدارة الذاتية نفسها فيه، بسماحها للشبيبة الثورية لاقتراف هكذا فعل، لا بل دفاع مسؤوليها عن تصرفها، يصدر صورة هشة للإدارة أمام الدول التي تطلب الإدارة الذاتية منها الاعتراف السياسي بها، وضمها لمسار الحل السياسي في سوريا.

أمام الإدارة الذاتية اليوم فرصة مواتية، لتصحيح المسار، وإعادة ترتيب أوراقها، لا الهروب للأمام، ورمي نتائج أخطائها على الغير، واللجوء دوماً للنظرية المريحة للأنظمة الفاشلة في المنطقة وهي نظرية “المؤامرة” وأن العالم كله عدوٌ لها. وإن كان هناك نيّة فعلية لدى الإدارة الذاتية للبدء بمسار التصحيح، فعليها أولاً أن تزيل العقبات الجليّة التي تعرقل تطورها، وتفقد ثقة مواطنيها بها قبل ثقة الدول، وتضييق الفجوة الكبيرة بينها وبين مواطنيها، الذين لا يشعرون حتى الآن بالانتماء لها، بل يحاولون التأقلم معها كسلطة أمر واقع.

شارك المقال على:
Share on facebook
Share on twitter
مقالات ذات صلة:

تقارير وتحقيقات

آخر الأخبار

مساحة نسوية

أرشيف الاتحاد