جريمة اسمها “قتل النساء”

شيوع استخدام مصطلح قتل النساء (femicide) عالمياً، يحمل دلالة واضحة على مدى انتشار الظاهرة في معظم دول العالم على اختلاف ثقافاتها، نتيجة استمرار التمييز القائم على أساس الجنس والنوع الاجتماعي، وممارسة العنف بأشكالة كافّة ضد النساء. ورغم صعوبة جمع البيانات ونقصها، تؤكّد إحصاءات المنظمات المعنية ارتفاع نسبة والجرائم التي يرتكبها رجال بحق نساء، حيث يأتي القتل ليختتم سلسلة من العنف متعدّد الأشكال تعرّضت له الضحية على مراحل قبل مصرعها.

تتصاعد هذه الجرائم على نحو مُطّرد، أثناء الحروب والأزمات في ظل اتّساع دائرة وفوضى السلاح، فتتعرّض النساء لأشكال مهولة من الانتهاكات. لكن المفارقة، أنّ المرتكبين غالباً ما يكونون من العائلة أو الشركاء المقربين، بنسبة تفوق كثيراً الجرائم التي يرتكبها الغرباء، وفق ما أكّدته منظمة الصحة العالمية في تقرير أصدرته سنة 2012.

منذ ما قبل الثورة السورية، وما انتهت إليه البلاد من حالة الفوضى والدمار، صُنفت سوريا في المرتبة الثالثة عربياً من حيث نسبة جرائم قتل النساء بذريعة الشرف، بعد اليمن وفلسطين. وللعلم يستند التصنيف إلى الأرقام الرسمية المُعلنة بشأن الجرائم المصنفة ضمن هذا الباب، ولا تدخل في الحساب الحالات التي جرى فيها التستّر على الجاني، أو لفلفة القضية ونسبها إلى “القضاء والقدر”. وبالاستناد إلى نظرية “جبل الجليد” المستخدمة في علوم مختلفة كعلم النفس وعلم الاجتماع،يمكن القول إنّ الأرقام المعلنة تشير فقط إلى 20% من حجم الظاهرة، فيما يختفي 80% من حجمها لأسباب عديدة، وهذا يعطي فكرة عن الحجم الحقيقي لظاهرة قتل النساء، التي ينكرها كثيرون رغم الأخبار اليومية المتكررة حولها.

وإن كان “الشرف” ذريعة استخدمت، وما تزال، لينال القاتل حكماً أقل مما يستحق وفق “العذر المخفف”، لكنه في الحقيقة مجرّد حجة لاستسهال قتل النساء ولصق التهمة بذكر قاصر في العائلة لنيل حكم أكثر تخفيفاً. أمّا السبب الكامن وراء كل جريمة، فهو العنف والتمييز المؤسس له قانونياً ومجتمعياً ودينياً ضد النساء بسبب جنسهن.

اقرأ أيضاً: “أريد أرنبي الصغير”… قصص زواج القاصرات في سوريا

إن خطر القتل يحيق بالنساء السوريات في كافّة أماكن تواجدهن، ففي مناطق سيطرة النظام وخارجها، وفي مخيمات اللجوء المجاورة وحتى في البلدان الأوروبية،َ تتعرض سوريات كثيرات يومياً لجميع أشكال العنف، نتيجة عدم المساواة بين النساء والرجال، وهيمنة الخطاب الديني الذكوري، وسلطة القوانين التمييزية ضدهن، والتشريعات التي تصون الأعراف الاجتماعية المنحازة للرجل ضد المرأة. ويأتي الإعلام ليكرس الأفكار النمطية السائدة والأدوار الجندرية والجنسانية، بل ويسهم أحياناً في تهميش الجرائم أو التقليل من حجمها، مقابل تضخيم أو اختلاق قصص لتجييش الرأي العام ضد النساء المتمرّدات على الهيمنة الذكورية، وضدّ أصحاب الهويات الجنسية اللامعيارية (من المثليات والمثليين والعابرات والعابرين)، مما يجعله شريكاً أساسياً في التحريض ضد هذه الفئات المستضعفة.

كيف لأبٍ أن يقتل ابنته التي احتضنها ورعاها طفلةً؟ كيف يقتل الأخ اخته وقد لعبوا وتشاجروا وضحكوا وبكوا معاً؟ كيف يقتل الزوج زوجته بعد ما جمعهما من حب وعشرة وأطفال؟ كل هذه العلاقات والمشاعر الانسانية تختفي لحظة وقوع الجريمة، لأسباب قد لا تتعدى أحياناً ارتداء ملابس “غير لائقة” في عرف المجتمع الأبوي، أو الخروج عن قواعد المجتمع والعائلة كخلع الحجاب، أو المطالبة بالتعليم أو العمل، أو على “شبهة” الحب. وبلغ الأمر أن تُقتل فتياتٌ بذريعة “الشرف”، والواقع أنّهنّ تعرّضن للاعتداء جنسياً من قبل ذويهن (ما يُعرف بـ “سفاح القربى”)، فيما يُغضّ الطرف عن المجرم الحقيقي ويبرأ ليعيش حياته وكأن شيئاً لم يكن.

إنّ تبرير العنف ضد النساء وقبوله مجتمعياً هو الأساس الذي يتراكم ليبلغ ذروته في صورة جريمة قتل برعاية السلطة الأبوية المهيمنة، ولا شكّ أنّ غياب قوانين الحماية من العنف تجاه النساء عامة، والعنف الأسري خاصة، يلعب دوراً أساسياً في استمرار الظاهرة. المدافعات والمدافعون عن حقوق النساء، لا سيما من أهل الخبرة والاختصاص القانوني يؤكّدون أن جريمة قتل النساء هي جريمة من نوع خاص تختلف عن بقية جرائم القتل الجنائية، وينبغي الإقرار بهذه الحقيقة من أجل إيجاد سياسات حمائية ووقائية للنساء اللواتي يقتلن فقط بسبب جنسهن، وبسبب التمييز ضدهن في الفضاء العام والخاص للمجتمع.

مع كل ضحية جديدة يُضاف اسمها إلى قائمة النساء المقتولات، تتضاعف كراهية النساء ويزداد المشهد مأساوية. وفوق هذا، تُلامُ الضحايا وترتفع وتيرة الهجوم على النسوية والنسويات بعد كل جريمة، لتحميلهنّ المسؤولية بشكل أو بآخر، عبر خطاب متغطرس يتجاهل الخطاب النسوي المناهض للعنف والداعي للمساواة ولتمكين النساءـ أو يتهكّم به، فيما يواصل أصحاب القرار المؤثرون في الفضاء العام والخاص عرقلة عمل المنظمات النسوية ووضع العقبات في طريقها.

الوصول إلى عالم آمن للنساء يتطلّب تضافر الجهود وتنظيمها لوضع حدّ للمنظومة الذكورية المهيمنة والقامعة للنساء، بما يتيح لعجلة التغيير االبدء في الدوران، لتبني المجتمعات منظوماتٍ بديلة قائمة على قيم العدالة والمساواة وحقوق الإنسان، لا التسلط والقهر وقتل النساء.

شارك المقال على:
مقالات ذات صلة:

تقارير وتحقيقات

آخر الأخبار

مساحة نسوية

أرشيف الاتحاد