المعارضة القاصرة وتضييع قضية الشعب السوري

ثمة ما يبعث على الإحباط والقهر والغضب في كل شيء يتعلق بالشعب السوري، بمعاناته وتضحياته ونضالاته، سيما في السنوات العشر الماضية، مع المآلات التي وصلت إليها قضيته، نتيجة انحسار مكانتها، ومعناها، في الأجندة العربية والإقليمية والدولية، وبواقع عجز المعارضة أو إفلاسها أو ارتهانها للأجندات الخارجية، وبحكم الأحوال المأساوية لمعظم السوريين في الداخل والخارج، ويأتي في مقدمة ذلك بالطبع بقاء نظام الأسد بل واستعداد عديد من الدول الانفتاح عليه والتطبيع معه، وتحويل قضية السوريين إلى مجرد قضية إنسانية، وقضية لاجئين وإعادة إعمار ومساعدات دولية ومحاربة إرهاب وكتابة دستور.

هكذا، فإن مشكلة الثورة، أو المعارضة، السورية، وهي مشكلة معظم السوريين، الذين يتوقون للخلاص من نظام جثم على صدورهم أكثر من نصف قرن، لا تكمن فقط في الإطار المحيط، أي في الخذلان أو التنكر، الدولي والإقليمي والعربي، وإنما تكمن أيضاً، في جماعات المعارضة ذاتها، ربما قبل أي أحد آخر.

ويمكن القول هنا بصراحة وأمانة ومسؤولية، ولو أنها مؤلمة، بأنه لم يعد ينفع الإنكار ولا المكابرة، ولا الحديث بالرغبات، فنحن إزاءه واقع كارثي، ولا يوجد في الأفق ما يبعث على التفاؤل. ومثلا، فما زالت هذه الثورة تفتقد إلى طبقة سياسية متماسكة، تحظى بإجماع السوريين، وتنال احترامهم. هذا أولاً. ثانياً، لقد نجح النظام بإخراج غالبية السوريين من معادلات الصراع، بفرض الحصار على بعضهم وتشريد بعضهم الآخر، وإشغال قسم كبير منهم بتدبر عيشه في ظل فقدان مصادر الدخل والبيت والأمن. ثالثاً، لم تعد المسألة تتعلق فقط بثورة في مواجهة نظام، إذ باتت تتعلق أكثر بالصراعات الدولية والإقليمية والعربية على سورية، الأمر الذي ينبغي الانتباه إليه، وإدراك مفاعيله، للتقليل من مضارة أو لتغيير مساره. رابعاً، لم تعد القضية السورية بيد السوريين، إذ باتت بيد الفاعلين الخارجيين، الدوليين والإقليميين والعرب، بحيث باتت المسألة تتطلب إيجاد حد أدنى من تماسك السوريين لفرض ذاتهم في هذه المعادلة الصعبة والمعقدة. خامسا، لقد بات هم المعارضة السورية الرسمية، المتشكلة في الائتلاف، تغطية المواقف التركية، أو الأخذ في حسبانها مصالح تركيا، أكثر من أخذها مصالح الشعب السوري وسلامة مسار ثورته، وما محاولة “الترقيع” التي يجري الحديث عنها هذه الأيام في أوساط الائتلاف في إسطنبول إلا محاولة لإعادة إنتاج وشرعنة وتجميل الوضع القائم. سادسا، ليس ثمة في الأفق أية مبادرة أو محاولة سورية لتجاوز واقع المعارضة الرسمية (الائتلاف)، أو لتشكيل منبر وطني يعبر عن السوريين، ويشكل جامعا لهم.

اقرأ أيضاً: الاختلاف السوري المعارض!

والمؤسف له أن معظم الشخصيات السورية البارزة المحسوبة على المعارضة تجدها عاجزة عن أي مبادرة، أو سلبية إزاء أي مبادرة، في حين تجد أغلبيتها يتحمسون لأي دعوة تصدر من هذه الدولة أو تلك، أو حتى يتنافسوا فيما بينهم لتلبيتها، وهو وضع غريب ومخجل، وأثبت عدم جدواه، أو هشاشته، لأن أية مبادرة لا تنبع أو لا تصدر من السوريين أنفسهم فلن يكون مصيرها أفضل من مصير المجلس الوطني والائتلاف الوطني، واللجنة الدستورية واللجنة التفاوضية.

ولنلاحظ في هذا الإطار، بأنه ورغم وجود ملايين السوريين في الخارج، وضمنهم في البلدان الأوروبية، إلا أنه لا توجد إطارات أو مبادرات أو منابر تشتغل لتنظيمهم أو التعبير عنهم، في المجتمعات التي باتوا لاجئين فيها، في تجمعات كبيرة، لاستثمار طاقتهم، وهو أمر متاح لها، وهذا يشمل القصور في إقامة مؤسسات أو إطارات جامعة، سياسية، أو إعلامية، أو إغاثية، أو مدنية أو على أي صعيد، من دون التشكيك بالجهود التي بذلت، ومع التقدير لكل ما هو موجود.

أيضا، فإن الشعب السوري بحاجة إلى معارضة مغزى وتبعات التحولات الحاصلة في الثورة والمجتمع السوريين، وطريقة عمل النظام، وأغراض القوى الخارجية الفاعلة في المشهد السوري، وكذلك تبعات النقلات غير الطبيعية للثورة، لبناء طريق جديد، وأشكال عمل وتنظيم جديدة، بدل الطرق السابقة التي ثبت عدم جدواها.

واضح من كل ما تقدم أن المعارضة لم تكن في وارد دراسة عقلانية لكل ما حصل، فهذا أكبر من قدراتها، سيما إنها كانت، من البدايات، متسرعة للتخلص من النظام، معتبرة لحظتها المواتية، مع إغراءات التغيير السريع في تونس ومصر والتدخل الدولي في ليبيا، ومع إشارات الرئيس التركي أن «حلب خط أحمر»، وذهاب سفراء الولايات المتحدة وفرنسا الى المعتصمين في ساحتي النواعير والساعة في حماة وحمص، وكلام أوباما أن الأسد فقد شرعيته.

ومن الأصل، فإن المعارضة لم تنتبه إلى أن التحول نحو العسكرة، أو نحو الخطاب الديني يأخذ البلد نحو الطائفية، وتمزيق مجتمع السوريين، ويؤدي الى ضرب صدقية الثورة، ويضر بشرعيتها، كثورة ضد الاستبداد، ويضعف قدرتها على توحيد السوريين، فضلاً عن انه يخدم النظام، ويطلق يده في البطش بالشعب السوري، وهو الذي حرص منذ البداية على الترويج إلى إنها ليست ثورة سياسية وإنما حرباً أهلية طائفية ودينية، وإنها حرب ضد الإرهاب وضد التدخلات الخارجية.

الآن، يواجه السوريون تحدي انحسار القضية السورية، وتحدي تعويم نظام الأسد، وتحدي خروج السوريين من معادلات الصراع على مستقبل سورية، في حين مازالت المعارضة قاصرة عن إدراك مغزى وتبعات هذه التحولات، ومتخلفة عن مواكبتها، ورافضة لإجراء أي مراجعة لمسيرتها، وهي مشغولة في لوم العالم أكثر مما هي مشغولة في بناء إطاراتها، ومشغولة بخلافاتها الداخلية أكثر مما هي مشغولة في مراكمة قوى شعبها، واستثمار طاقته. ثمة أعمال لا بد من القيام بها وإذا لم يقم بها السوريون، بنخبهم، أي بالشخصيات الفاعلة والمؤثرة منهم، فلن يقم بها أحد عنهم.

شارك المقال على:
مقالات ذات صلة:

تقارير وتحقيقات

آخر الأخبار

مساحة نسوية

أرشيف الاتحاد