بخصوص السياسة الأمريكية في المسألة السورية

لعل واحدا من أهم وأخطر أخطاء المعارضة السورية، وأكثرها سذاجة، تمثل في تعويلها، واستعجالها، منذ البداية، تدخلا من الولايات المتحدة في الصراع السوري، أو على الأقل قيامها بفرض مناطق آمنة، أو مناطق حظر جوي، أسوة بالتدخلات الأمريكية في يوغوسلافيا السابقة، وفي العراق وليبيا.

وللإنصاف فقد تغذّت تلك المراهنات، أو التوهمات، في حينه، على تصريحات الرئيس الأميركي، ووزيرة خارجيته، وأركان إدارته، والتي عبرت عن تأييدها ثورة السوريين، وعدّها أن “الأسد فقد شرعيته وأن عليه أن يرحل”، كما تغذت من نشاط السفير الأميركي في دمشق، الذي زار ساحة الاعتصام الشهير في حماه (2011)، كما زار البؤر الشعبية المشتعلة في دمشق، مثل دوما وداريا.

بيد أن تلك المراهنات، التي شجعت عليها تصريحات الرئيس التركي أيضا، ثبت ضررها فيما بعد، أولًا، لأن الإدارة الأميركية لم تقل ولا مرة بأنها ستتدخل عسكريًا، وإن كانت سمحت لبعض الدول بتسليح المعارضة بأسلحة فردية. ثانيًا، لأنها شجّعت بعض أوساط المعارضة على حصر الثورة السورية بالعمل المسلح، وبالتالي إزاحة الشعب السوري من المشهد، الذي بات يقتصر على المتقاتلين. ثالثًا، لأن تلك النقلة غير الطبيعية، أو المتسرّعة، هي التي أدت إلى ارتهان الثورة للمساعدات الخارجية، المادية والعسكرية، وجعلتها -تاليًا- تخضع لإملاءات وأجندة هذه الدولة أو تلك.

اقرأ ايضاً: “الشبيبة الثورية” كأزمة للإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا

طبعا يمكن لوم الإدارة الأمريكية على أشياء كثيرة، وضمنها تراجعها عن مواقفها السياسية إلى حد تمييع مقررات بيان جنيف 1، وترك روسيا وإيران تتدخلان عسكريًا في سورية، والنكوص إلى حد القبول بالأسد في المرحلة الانتقالية، والتلاعب بالثورة المسلحة، وبالمعارضة، كي تبقى المعادلة لا غالب ولا مغلوب؛ ما يديم الصراع ويبقى معاناة السوريين.

بيد إن لوم الإدارة الأميركية يقتضي أيضا لوم معظم المعارضة السورية المتصدرة على مراهناتها وأوهامها الخاطئة، ذلك أن الدول لا تشتغل كجمعيات خيرية، والولايات المتحدة بالذات كدولة كبيرة، تشتغل وفقا لمصالحها وأولوياتها هي، وليس وفقا لأولويات ومصالح غيرها، وهي تستخدم القيم الأخلاقية استخدامًا انتقائيًا ووظيفيا، وبما يتلاءم ومصالحها، وفي الزمان والمكان الملائمين، وبالتأكيد فإن مصالج الشعب السوري لا تدخل في هذا الاعتبار.

القصد مما تقدم التوضيح، أولًا، أنه ينبغي الحرص على العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية، فهي الدولة الأقوى والأقدر في العالم، وخيرها وشرها، يصيب العالم كله، لكن ينبغي -قبل ذلك- التخلص من الأوهام والأخطاء، وضمن ذلك احتمال التعويل على رئيس بعد أخر، فبعدما صعدت الأمال بعد تصريحات أوباما انخفضت بعد اتفاقية الكيماوي (2013) وبعد التراجع عن بيان جنيف 2012، ثم عادت وصعدت بعد مجيئ رئيس شعبوي هو دونالد ترامب، سيما أن في عهده رفعت وتيرة التصريحات، لكنها ظلت مجرد تصريحات لم تقدم ولم تؤخر، وبالعكس ففي عهد ترامب تم للنظام استعادة ما خسره، وتغول التدخل الروسي والإيراني في سوريا، وها هي القضية السورية تتراجع للخلف في عهد بايدن. ثانيًا، الحقيقة التي ينبغي إدراكها، والتي تفسر ما تقد، تفيد بأن الولايات المتحدة لا تشتغل وفقا لإرادة الرئيس، لا على الصعيد الداخلي ولا على الصعيد الخارجي، فهذه دولة، أعجبتنا أم لا، تشتغل وفقًا للفصل بين السلطات، التشريعية والقضائية والتنفيذية، أي كل سلطة لديها ما يقيدها. ثم أن الرئيس لا يمكنه -في أي حال- أن يخالف إرادة الكونغرس الأميركي، ولا سيما أن هذه دولة فدرالية، وديمقراطية. ثالثًا، أيضًا، يفترض أن نعرف أن الولايات المتحدة الأميركية هي دولة تديرها الشركات الكبرى، وهذه موازناتها تضاهي موازنات دول متوسطة الحال، وطبعًا فإننا لا نتحدث -هنا- عن شركات أهلية (أو عائلية)، إذ إن هذه بمنزلة مؤسسات بمعنى الكلمة، أي تشتغل وفق قواعد الإنتاج والربحية والأهلية والكفاءة وإتاحة الفرص في الوقت ذاته. رابعًا، الرأي العام الأميركي لا يتأثر كثيرًا بالشؤون الخارجية، واهتمامات أكثر من 90 بالمئة من الناخبين الأميركيين تتعلق بشؤونهم الداخلية (الصحة والتعليم والوظائف والضرائب)، وحدها النخب الأميركية هي التي تهتم بالشؤون الخارجية، والاهتمام ينصب على تعزيز مكانة الولايات المتحدة كقطب مسيطر، ومتفوق. خامسًا، فيما يخص سوريا فإن الولايات المتحدة الأميركية لا يعنيها من يحكم في سوريا، سواء كان شخصا أو حزبا، وسواء كان يساريا أو قوميا أو إسلاميا، كما لا يعنيها ما يحصل في هذا البلد، إذا استثنينا ما يخص قضية الصراع مع إسرائيل. ويمكن تفسير ذلك بعد أسباب: أولها، أن هذا البلد لم يكن محسوبا طوال العقود السابقة، ضمن دائرة حلفائها التقليديين، لذا فهي لا تشعر بخسارة ما في هذا المكان. ثانيها، أن مصالحها مضمونة بغض النظر عن طبيعة النظام الحاكم، سواء كانت مصالح سياسية أو اقتصادية أو أمنية، وهو ما يمكن تبيّنه من مراجعة السياسات التي انتهجها النظام السوري طوال المرحلة الماضية، بغض النظر عن كل الشعارات أو الادعاءات. وثالثها، أن سوريا بلد صغير وفقير الموارد، وتنبع أهميته من موقعه الجغرافي، ومن جواره مع إسرائيل.

مع كل ما تقدم فما ينبغي إدراكه هنا، بما يخص الصراع السوري، فإن الولايات المتحدة هي -على الأغلب- التي تتحمل مسؤولية الحسم أو عدم الحسم فيه، بهذا الشكل أو ذاك، فهي الدولة الأقوى والأقدر، وحتى أن روسيا وإيران وتركيا، وكل الدول، لا يمكنها أن تتدخل في هذا الصراع، وعلى الجانبين، إلا بناء على الهامش الذي تتيحه الإدارة الأميركية. والمشكلة أن هذه الإدارة اشتغلت، وما زالت، وفقا لمنهج الاستثمار في الصراع السوري، وهذا يختلف عن منهج إدارة الصراع، أي إنها اشتغلت وفقًا لمعادلة ديمومة الصراع، بغرض وضع الدول المعنية (سيما روسيا وإيران وتركيا) في مواجهة بعضها، لاستنزافها وإضعافها، ما يخدم مصلحة إسرائيل في المحصلة؛ وحتى الآن، هذه هي المعادلة السائدة إلى حين حصول تغير في السياسة الأميركية، مع هذا الرئيس أو مع ذاك.

شارك المقال على:
مقالات ذات صلة:

تقارير وتحقيقات

آخر الأخبار

مساحة نسوية

أرشيف الاتحاد