ندوة الدوحة بين الخطاب الوردي والواقع الكالح

خلال الجلسة الافتتاحية لندوة “سوريا إلى أين؟” التي عُقدت يومي الخامس والسادس من شباط (فبراير) الجاري، في العاصمة القطرية الدوحة، حرص رياض حجاب، رئيس مجلس الوزراء السوري المنشقّ والداعي إلى الندوة، على التذكير بأن من بين أهدافها التأكيد “للعالم أجمع أنّ قوى الثورة السورية هي رقم صعب في المشهد الإقليمي والدولي، وأنها لا تزال تمتلك رصيداً ضخماً من الحيوية والفاعلية والقدرة على تجديد الدماء، وأنها تقف في صف واحد ضد النظام وإجرامه، والعمل على إسقاطه كحلّ أوحد لتحقيق عملية انتقالية ذات مصداقية”. ولأن الخبر الصحفي الرسمي الذي سبق أن وزّعه القائمون على الحدث عند الإعلان رسمياً عن الندوة، أشار إلى أن هدفها “تقييم المشهد السوري الحالي، واستشراف التحديات والسيناريوهات المتوقعة، واقترح آليات التعامل معها”، كان لا بدّ لممثلي “مؤسسات قوى الثورة والمعارضة السورية، ومراكز الفكر، ومنظمات المجتمع المدني، والجاليات السورية، والإعلام السوري، والشخصيات المستقلة”، بعد يومين من الجلسات المفتوحة والمغلقة، أن يخرجوا بجملة توصيات تلاها صاحب الدعوة.

اقرأ أيضاً: بخصوص السياسة الأمريكية في المسألة السورية

تضمّنت التوصيات التي توصّل إليها حجاب وضيوفه تكراراً للكلام الكبير والعمومي في تصريحات المعارضة، من مثل “المحافظة على وحدة الأراضي السورية وسيادة الدولة واستقلالها”، و”تأسيس نظام ديمقراطي يقوم على قيم: المواطنة المتساوية والتعددية، وعلى تداول السلطة في مناخ من الحريات العامة، واحترام حقوق الإنسان، والفصل بين السلطات”. ولم تغفل التطرّق إلى “إعادة هيكلة مؤسسات قوى الثورة والمعارضة، والارتقاء بأدائها فيما يمكّنها من تحقيق مطالب الشعب السوري المحقّة والمشروعة وتمثيلها بكفاءة واحتراف، ويضمن استقلالية قرارها الوطني”، وسوى ذلك من عبارات معتادة عن “قضية الشعب السوري، وسعيه لنيل حريته وكرامته”، فضلاً عن “تحقيق الانتقال السياسي وفق القرارات الأممية”، وما إلى ذلك. لكن الندوة انتهت دون أن يخبرنا السيد حجاب لماذا “قوى الثورة هي رقم صعب”، أو يطلعنا على الرصيد الضخم “من الحيوية والفاعلية والقدرة على تجديد الدماء”.

إن كلام الخطابات الوردية شيء والواقع الكالح شيء آخر. ذلك أنه خلافاً لما قاله حجاب، في كلمته الافتتاحية عن “حلفاء بشار المنهَكين” ومعركتهم اليائسة لإعادة تعويم النظام، يبدو جلياً أنّ موقفهم في المشهد السوري يزداد قوّةً يوماً بعد يوم، وهم الذين فرضوا رؤيتهم وتمكّنوا من تمييع “العملية السياسية”، ومسخها على النحو الذي آلت إليه في آستانا وسوتشي واللجنة الدستورية. بل إن “النجاح” الذي حقّقوه في سوريا مدّهم بمزيد من الثقة، ليواصلوا عربدتهم في غير مكان من المنطقة والعالم.

هذا الإصرار الخطابي على “قوى الثورة” وما تمتلك من “القدرة” و”الفاعلية”، ليس سوى تحليق في فضاءات الإنشاء والشعارات، لا يقيم اعتباراً للواقع الملموس وموازين القوى الحقيقية، ويعكس حالة فصامية متعالية عن رؤية الواقع، تكتفي بما تتحف الجمهور به من تصورات تتجاهل ما آلت إليه الأحوال السورية. ولعلّ خير ما يعبّر عن حال ومقال رموز “المعارضة السورية” ووجوهها الأبرز مصطلح “الثوراوية”، وهو من المصطلحات التي كان يستخدمها الكاتب السوري الراحل ياسين الحافظ، في العديد من نصوصه السياسية والفكرية النقدية، قاصداً به أصحاب الانتماء السطحي، الكاريكاتوري، الدوغمائي، الشعوري إلى قضية الثورة، عوضاً عن الانتماء العقلاني الذي يسعى إلى إيجاد مقاربات عملية في ضوء المعطيات والإمكانات، وليس الرغبات والتمنيات.

أمّا الخطاب الذي يصدر عادةً عن الشخص “الثوراوي”، فيمكن عدّه تجسيداً لما سمّاه لينين “مرض صفّ الكلام الثوري”، وهو التعبير الذي استخدمه في سياق تناوله لأولئك “الثوريين” الذين يعجزون عن تحليل وفهم الانعطافات الكبيرة والسريعة التي يكشفها مجرى الأحداث، فيواظبون على تكرار الشعارات الثورية من دون أن يأخذوا بالاعتبار الظروف الموضوعية الناشئة عن وقوع انعطاف معين في الأحداث وبالتالي يصابون بهذا المرض، والذي كغيره من الأمراض، يمكن له أن يتطوّر ويتفاقم، فقد يشتدّ الحال ببعض المصابين به ليبلغوا درجة “الهبل الثوراوي”، حسب التعبير اللينيني أيضاً.

وإذا كان ياسين الحافظ حريصاً على التأكيد بأن وصف “الثوراوية” لا ينطوي على حكم قيمة بذاته، أي إنّه ليس شخصياً ولا يشكّك “بالنيات الطيبة للثوراوي” نفسه كشخص، فإنّ من الصعوبة بمكان القول “بالنيات الطيبة” لدى أولئك “الثوراويين” السوريين. ذاك أنّ تهافتهم على أعتاب هذه أو تلك من الدول الراعية والممولة باسم “الثورة”، وما رشح عنهم من فضائح مالية، سواء في بيع وشراء المواقف، أو من روائح فساد “مؤسسات قوى الثورة والمعارضة” التي تزكم الأنوف، لهي معطيات تدعو إلى التشكيك في نوايا هؤلاء وأهدافهم، وتدعم وجهة نظر من يتّهمهم بالتكسّب والارتزاق، والبحث عن الطموحات الشخصية، على حساب قضيّة الثورة السورية.

شارك المقال على:
مقالات ذات صلة:

تقارير وتحقيقات

آخر الأخبار

مساحة نسوية

أرشيف الاتحاد