عن المحجّبات وليس الحجاب

تعتبر قضية الحجاب واحدة من أكثر القضايا إشكالية وتعقيداً، على الصعيد الشعبي وعلى المستوى الأكاديمي والسياسي، والتاريخي أيضاً. وبحسب الدراسات الأركولوجية (Archaelogy) والأثرية، يعود تاريخ الحجاب إلى حضارات العالم القديم، كالسومرية والأشورية والبابلية واليونانية وغيرها، وكانت وظيفته تمييز النساء وفقاً لطبقاتهنّ الاجتماعية. لكن ارتادءه تطور واستمر بعد ظهور الأديان الإبراهيمية التي تبنّته جميعها، واستمرت دلالته الطبقية مع اضفاء طابع ديني، فكان من القواسم المشتركة بينها، بحيث يمكن أن ترتديه النساء اليهوديات والمسيحيات والمسلمات (الحُرات منهن دون الجواري).

لكن تصاعد نشاط جماعات “الاسلام السياسي” على الساحة العالمية في العقود الأخيرة، جعل من الحجاب رمزاً دينياً مقترناً بالإسلام حصراً دون غيره من الأديان، بعدما حوّله الإسلاميون إلى هوية سياسية للإيحاء بقوّة تأثيرهم على المسلمين، مع إصرارهم أنّه “فرض ديني”، رغم أنّ في المسألة اختلافات فقهية لا تنتهي. هكذا غدت كل محجّبة هي امرأة مسلمة بالضرورة في نظر الغربيين، رغم تشابه الحجاب والنقاب الإسلامي مع نظيره اليهودي، ومع تصاعد الإسلاموفوبيا (رُهاب الاسلام) إثر الهجمات الإرهابية التي يتبنّاها إسلاميون متطرفون، دفعت المسلمات تبعات هذا الإرهاب وعواقب الإسلاموفوبيا المترتبته عليه، بشكل أكثر حدّة. وسواء اقتنعت المسلمات بالحجاب أو ثرن عليه وخلعنه، كُنّ ضحيات للتطرف في الحالتين.

وفق المادة الثامنة عشر من الاعلان العالمي لحقوق الإنسان: “لكلِّ شخص حقٌّ في حرِّية الفكر والوجدان والدِّين، ويشمل هذا الحقُّ حرِّيته في تغيير دينه أو معتقده، وحرِّيته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبُّد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة”. وعليه، من حق النساء المسلمات ارتداء حجابهن في أي مكان، ويحق لهن أيضاً خلعه متى شئن.

اقرأ ايضاً: اليوم الدولي لعدم التسامح مطلقا إزاء تشويه الأعضاء التناسلية للإناث

تكمن الإشكالية في عنف وتمييز مضاعفين تجاه النساء، سواء ارتدين الحجاب أو امتنعن عنه، لا تبعاً للمكان الذي يتواجدن فيه فقط، بل وفقاً لمعايير متعدّدة تجعل الأمر قضيةً معقدة من عدة أوجه. فمن جهة تعاني المسلمات المحجّبات في الغرب عموماً من الإسلاموفوبيا، وتسجل مكاتب مناهضة العنصرية ووسائل الإعلام مئات بل آلاف حالات تعرّض المحجّبات لأشكال مختلفة من التمييز والعنف والإقصاء، وعدم الحصول على فرص متساوية في التعليم والعمل. ووصل الأمر في دول غربية أن تُقتَل النساء بسبب حجابهن، فقضية مروة الشربيني (ضحية الحجاب) التي قُتلت داخل محكمة ألمانية أمام أعين طفلها وزوجها، ليست الأولى من نوعها ولم تكن الأخيرة.

في المقابل، يُفرض الحجاب قسراً على النساء في كثير من الدول والمجتمعات الإسلامية التي تجرم بعضها قانونياً خلع الحجاب، وتُسجن وتُضطهد النساء اللواتي يقرّرن عدم ارتدائه. وفي بلدان غيرها، وإن لم يجرّم “السفور” بنصّ القانون، إلا أنّ التساؤل يبقى مشروعاً عن حقيقة “حرية الاختيار” في ارتداء الحجاب، ضمن بيئة ينتشر فيها العنف ضد النساء وقتلهن لمجرد الشبهات، وهو ما قد يكون مؤشراً لعدم وجود حق الاختيار بالفعل، ومما يعزّز من هذا الاحتمال ظاهرة خلع كثيرات من المهاجرات الحجاب بعد وصولهن لدول يملكن فيها حق اتخاذ القرار في هذا الشأن، دون تبعات مجتمعية أو قانونية جائرة.

وتحت شعار: “توعية أفضل، فهم أعمق، سلام للعالم”، أطلقت ناظمة خان فكرة “اليوم العالمي للحجاب”، في الأول من فبراير، وهذه “مصادفة” لا تبدو بريئة، حيث تزامنت المناسبة مع ذكرى عودة الخميني إلى إيران، البلد الذي تُسجن النساء فيه وتُضطهد إذا اخترن بكامل ارادتهن نزع الحجاب. لكنّ الدعوة قوبلت بالرفض والاستنكار من النسويات القادمات من أصول إسلامية، فهنّ اللواتي عانين شخصياً ويعايشن المعاناة المستمرة لملايين النساء في دولهن التي تستخدم الحجاب بوصفه إحدى أدوات السيطرة على النساء والتحكّم بهنّ، وسبباً لممارسة العنف والتمييز والاضطهاد ضدهن. وإن كان في العالم الغربي وسائل لقياس ما تتعرض له المحجبات من عنف وتمييز وعنصرية، فهذه الإمكانية لا تتوفر لملايين من النساء اللواتي يفرض عليهن الحجاب قسراً في دولهن الإسلامية، ويعانين تمييزاً وتعنيفاً إذا قرّرن التخلّي عنه.

لكنّ يظهر أنّ هوس عدد من النسويات الغربيات البيضاوات بالقضايا الهوياتية وسياساتها مابعد الحداثوية، دفعهنّ إلى خطابٍ هوياتي مفرط في ترفه، يتجاهل حقيقة اضطهاد النساء اللواتي يرفضن الحجاب، فذهبنَ أبعد من الدفاع عن حقوق المحجبات كنساء، ليناصرن تكريس يوم عالمي للحجاب نفسه. صحيح أن المحجبات هنّ أبرز ضحايا الاسلاموفوبيا، والدفاع عنهن قضية تقع في صلب اهتمامات النسوية التقاطعية التي تناصر المهّمشات وترفع أصواتهن، لكن ذلك لا يعني الدفاع عن فكرة الحجاب نفسها، وإنما عن النساء اللواتي يتعرّضن للتمييز بسببه. فالنساء اللواتي اخترن خلع الحجاب يواجهن تحديات وضغوطاً مجتمعية كبيرة واتهامات ووصمة لا تقل سوءاً عما تواجهه المحجبات، ما يعني ضرورة التضامن معهنّ وأخذ معاناتهن ودلالاتها بعين الاعتبار, هذا التوازن الحقوقي هو ما ينبغي أن تناضل من أجله النسويات، الغربيات أو المسلمات، لإعادة توجيه دفّة النضال النسوي، نحو تبني قضايا المرأة وحقوقها العادلة التي لا تتجزأ.

شارك المقال على:
مقالات ذات صلة:

تقارير وتحقيقات

آخر الأخبار

مساحة نسوية

أرشيف الاتحاد