فيما يخص مفاهيم الجماهير أو الشعبوية

احتل مفهوم الجماهير، أو الشعبوية، كمصطلحين مترادفين، معظم أدبيات الحركات السياسية القومية واليسارية والإسلامية، مع تأكيد أن كلا المصطلحين لا يعنيان تماما الشعب، أو المجتمع، لأن أي من هذين يتأسس على مفهوم المواطن، أو مجموع المواطنين، الذين يشكلون جماعة في إقليم معين، والحديث يدور بالطبع عن مواطنين أفراد، وأحرار، ومستقلين، ومتساوين.

الفكرة هنا أن مفهوم الشعبوية، أو الجماهير، يقوم على اعتبار الجماعات كتلة صماء، لا فوارق ولا تمايزات بينها من أي نوع، تتبع القائد، وهو الرئيس والأب والزعيم، أي ليس ثمة هنا مواطنين ولا حقوق ولا مكانة لمواطن؛ هذا أولا. ثانيا، إن كلا المفهومين يقوما على أسطورة متخيّلة، تم اصطناعها تاريخيا، بوسائل الدعاية والسيطرة الأيديولوجية، الدولتية والحزبية، في حقبة صعود التيارات الأيديولوجية الحديثة، ذات الطابع العصبوي والمغلق والمطلق، سواء كانت قومية أو اشتراكية أو دينية، إذ كل تلك التيارات أضحت بمثابة طوائف هوياتية، أو ما يشبه الطوائف “الدينية” مع “أديان” أرضية؛ إن جاز التعبير.

وكما شهدنا فإن زعماء، أو قادة الدول والأحزاب، طالما حاولوا الادعاء بالقرب من الشعب، وبالأحرى مماهاة أو اختزال الشعب بهم، أي بشخصهم وبقيادتهم، ولطالما تحدثوا عن الجماهير، وعيّنوا أنفسهم ناطقين باسمها، وحرّاسا على مصالحها، وأوصياء على مستقبلها، فهم بمثابة الآباء الموكّلون.

اقرأ أيضاً: عن أردوغان وفلسطين والشعبوية الرخيصة

ويمكن إحالة ظهور، أو تفشي، “الشعبوية” في بلداننا لعوامل متعددة، أهمها: 1) هيمنة النزعة العاطفية والإرادوية في التفكير السياسي العربي. 2) تعثّر بناء الدولة الحديثة، لصالح الدولة السلطوية، ما أخّر ولادة مجتمع مدني بمعنى الكلمة. 3) الافتقاد لأطر وعلاقات سياسية حداثية، تتأسّس على المواطنة والمصالح المشتركة، والحريات الفردية، وفصل السلطات، وسيادة القانون، والتعددية الحزبية، والمشاركة والانتخاب والتداول. 4) استغراق السياسة العربية، في القرن العشرين، بادعاء مواجهة الاستعمار والمشروع الصهيوني والسياسات الإمبريالية في المنطقة، من دون أي مبالاة بالتحديات أو المخاطر الداخلية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التي ترتكز على تطوير البشر، والعمران البشري، بحيث لم ننجح لا في مواجهة التحديات الخارجية ولا الداخلية.

بالمعنى التاريخي فإن مصطلح الجمهور (الحديث) يقترن بمصطلح الرعية (الماضوي) الذي يشير إلى كائنات قائمة خارج مفهوم الأنا الحر، أي التي لا تعي ذاتها الإنسانية والاجتماعية، وهذا هو مقصد النزعة الشعبوية، التي تنمّط البشر، وتجعلهم بمثابة قطيع مطيع، يتربى ويعتاد على الخضوع والخنوع.

الجدير بالذكر أن عديد من مفكري عصر النهضة تعاملوا بتحفّظ مع مفهوم الجماهير أو العوام، وضمنهم محمد عبده والكواكبي، مع مصطلحات مثل الغوغاء والرعاع. وكان ياسين الحافظ، قبل عقود، تحدث عن “الكتلة الهامدة” في الأمة “حيث الشعور بالرعوية إزاء الدولة هو الغالب لدى القسم الأكثر تأخرا من الأمة، وحيث الشعور بالمواطنية لدى القسم الأقل تأخرا لم يصل في حدته إلى مستوى عنيد وقتالي”. ويقول الحافظ: “النمط الميتافيزيقي من الإيمان بـ “الإنسان العربي” عجز عن إعطاء أساس واع ودائم للالتزام بالشعب.. ولعب، بما ينطوي من قبليات أسطورية مجافية للعلم، دورا كبيرا في حجز العقل العربي عن اللحاق بالعصر. لقد اثبت فقط كم هو عميق التأخر الذي يسحق الشعب العربي” (ياسين الحافظ “اللاعقلانية في السياسة”، بيروت: دار الطليعة 1975، ص6 ـ7).

على الصعيد الفلسطيني، مثلا، فإن الحركة الوطنية الفلسطينية، منذ انطلاقتها في منتصف الستينيات، نحت نحو تغليب اللغة الشعبوية، الشعاراتية ـ العاطفية والتعبوية، التي تتسم بالإرادوية والذاتية، في خطاباتها السياسية، وذلك على حساب اللغة الواقعية، التي تغتني بالأفكار، وتطرح القضايا، وتفكك الإشكاليات، وتشتغل على الإمكانيات وتطور المعطيات. ولنأخذ مثلا شعار: “حرب التحرير الشعبية طويلة الأمد”، إذ أثبتت التجربة أن الساحة الفلسطينية لم تعرف هذا المصطلح بالممارسة، ولا في مكان، ناهيك عن عدم امتلاك أدواته، أو المعطيات التي تسنده في الواقع، ومع ذلك فقد ظل ذلك الشعار أثيرا عند الفلسطينيين وأدبياتهم الصاخبة، ولنأخذ مثلا شعار: “ديمقراطية البنادق” أو “السياسة تنبع من فوهة البندقية”.

 في التجربة السورية تبين، أيضا، أن المعارضة وقعت في ذات الخطأ، وذات شرك النظام، أي إنها اتجهت نحو الشعبوية، إذ لم تدرك أهمية خلق إجماعات وطنية عند السوريين، تعترف بتنوعهم وتعدديتهم لأجل خلق اجماعات حقيقية وملموسة بينهم؛ هذا من جهة. ومن جهة ثانية، فإن تلك المعارضة ذهبت نحو المبالغة بالبعد العسكري في الصراع ضد النظام، رغم أنه المربع الأضعف بالنسبة لها، لأنه الملعب الذي يتفوق فيه النظام، وهي في ذلك اختزلت البعد المتعلق ببناء المواطن الفرد الحر والمستقل والمتساوي مع غيره، لصالح قيام جماعات عسكرية لا جامع حتى لها، الأمر الذي استنزف الثورة السورية، وأرهق مجتمع السوريين، وأفاد النظام، وهو ما أوصل الثورة والمعارضة إلى هذه الدرجة من الضعف وفقدان المصداقية. ومعلوم أن المعارضة في كل ذلك كانت تلعب على وتر الثأر، والرد على عنف النظام بعنف مثله، أي كانت تشتغل في الصراع ضد النظام تبعا للنزعات السطحية، وليس وفقا لحسابات الجدوى، وكانت تشتغل في ذيل الحركة الجماهيرية العفوية وليس كقائد مسؤول لتلك الحركة.

 يفيد في هذا الوضع فهم ما يعتقد أنه شعبي أو جماهيري والعمل على استثماره وإدارته بأفضل وأقوم ما يمكن، كما يفيد تعزيز التفكير النقدي، وإنزال السياسة والأيديولوجيا من مجال المقدس إلى مجال التداول، ومن المجال الهوياتي إلى المجال المصلحي، ولا بديل إلا بإعلاء شأن المواطنة، في دولة مواطنين أحرار ومستقلين ومتساوين.

شارك المقال على:
مقالات ذات صلة:

تقارير وتحقيقات

آخر الأخبار

مساحة نسوية

أرشيف الاتحاد