المنظمات النسوية السورية والتحديات المستجدّة

حلمُ السوريين بالحرية لا ينتهي، وإن زادت صعوبة تحقيقه بعد تحول الثورة السورية إلى حرب عبثية، أدّت لمقتل واعتقال مئات آلاف السوريات والسوريين وتهجير الملايين. مع هذا، أدّى الخروج في وجه سلطة قُدّست طويلاً، وتحطيم تماثيل القائد “المرعب”، إلى تحرير المخيال الشعبي نسبياً من الخوف المُعشعش فيه، وبدأت تتخلخل بعض قيم المجتمع الذكورية، ومع كسر التابو المُحنّط منذ قرابة نصف قرن من الزمن، تراخت معايير القوة والسلطة في العائلة والمجتمع، وانزاحت كثير من المفاهيم الأبوية المُهيمنة في الفضائين العام والخاص، لتحل مكانها مفاهيم جديدة تستند إلى حقوق الإنسان.

من أبرز ما يشير لهذه التغيرات النوعية انتفاض فئات من النساء السوريات في وجه السلطات الأبوية/ البطريركية التي قمعت حرياتهن طويلاً، كما أنّ وجود داعمين رجال لهنّ، على قلّتهم، يعزز تغيير المشهد، ويمعن في كسر الصور النمطية السائدة. لقد خطت فئات من النساء السوريات في مسارات جريئة وشجاعة للمطالبة بحقوقهن، ووقف الجور الواقع عليهن، لكن معطيات الواقع الحالية، تجعل تعزيز القيم الجديدة حول المساواة والعدالة والحرية شبه مستحيل، ويستدعي الكثير من العمل والمواظبة، من قبل المجتمع المدني عموماً، والمنظمات النسوية خصوصاً.

جمود “العملية السياسية” نتيجة تواطؤ “المجتمع الدولي” وتعنت النظام وسلطات الأـمر الواقع الموازية له في المناطق الخارجة عن سيطرته، وتقسيم “الكعكة السورية” بين المتدخليين الدوليين، ألقى بثقله على الاقتصاد والبنى التحتية، ليزيد كارثية أوضاع السوريات والسوريين في مختلف المناطق، مما استدعى زيادة عدد المنظمات غير الحكومية العاملة على تعويض غياب مؤسسات الدولة، وتأمين الاحتياجات الأساسية. ورغم اختلاف أسباب تشكيل المنظمات وتنوع فئاتها المستهدفة، إلا أنها تعتبر نويات أولى في تشكيل المجتمع المدني السوري الناشئ.

تعدّ المنظمات النسوية السورية جزءاً أساسياً في منظومة المجتمع المدني السوري، ويقع على عاتقها، بصورة أساسية، العمل المُمنهج لنشر الوعي بحقوق النساء، ومناهضة التمييز والعنف الذي يعانين منه، وضمان المكتسبات المحدودة التي حققتها السوريات في السنوات الأخيرة، وتحقيق المزيد منها وتوسيع مداراتها. لكن مناهضة القيم والمفاهيم الذكورية التي طالما استند إليها النظام في حكمه الاستبدادي والسلطات المُجتمعية المتماهية معه، تأتي في مقدّمة التحديات والأعباء التي تواجه المنظمات النسوية حديثة التأسيس، وكذلك القلة منها التي عملت منذ ما قبل الثورة تحت رقابة أمنية صارمة.

اقرأ أيضاً: التحرّش بالصحفيات السّوريات… قصص من خلف شاشات التّحرير وغُرف الأخبار

خلال الثورة وما بعدها، بدأ الحراك النسوي السوري يتلمس طريقه بخطوات واثقة، وما زال أمامه كثير من العمل الدؤوب على الصعيدين النظري والعملي، فالتأسيس ضمن نظريات ومفاهيم معرفية تتسق مع الواقع السوري، بتنوعه واختلافاته، مهمّة لازمة لقراءة الواقع بدقّة، والتخطيط لتغييره بالأدوات المناسبة. ومن المفيد الانتباه إلى أن غياب الحراك النسوي السوري عن تطور الحركة النسوية في العالم لسنوات طويلة، جعله في غربة عن التجارب والنظريات النسوية الحديثة، وقد بدأ تدارك ذلك بعد لجوء كثير من النسويات إلى بلدان مختلفة، ونجاحهنّ في تأسيس منظمات نسوية فيها، والتواصل مع منظمات نسوية أجنبية، والاستفادة من خبراتها. كما ساعد التطور التقني على خلق عالم افتراضي نسوي للتواصل والتدريب وتبادل الأفكار.

ما سبق ساعد قسماً من الناشطات النسويات السوريات على عقد تحالفات وشراكات مستدامة بين منظماتهنّ، وبعض المنظمات الدولية الداعمة والممولة، وهذا سلاح ذو حدين، فمن جهة ساهم التنافس للحصول على الدعم والتمويل ورضا المانحين، في تكريس تشتّت المشهد النسوي السوري المتشظي أساساً. ومن جهة ثانية ازدادت التحدّيات ضمن المنظمات نفسها، نتيجة غياب الأهداف والرؤى المرتبطة مباشرة بواقع النساء السوريات واحتياجاتهم الحقيقية، لصالح التكيّف مع الأيديولوجيات السياسية للجهات المانحة، وأولياتها، والخضوع لتدخلاتها المباشرة وغير المباشرة.

ضمن هذه المعطيات، يُخشى من الوقوع في ما يسمّى “NGOism” (“الإنجؤوزية” أو”المنظمّاتية”، أي وقوع المنظمات غير الحكومية غير الربحية في مطب سيطرة التمويل كاستراتيجية تطغى على سياستها، وتحوّله إلى هدف أساسي تبنى على أساسه الخطط والمشاريع. وأمام العدد الكبير من المنظمات والتجمعات النسوية (والنسائية) السورية مقابل قلة الممولين، تدخل بعض المنظمات في صراع يبعدها عن أهدافها، بدلاً من الانتباه لضرورة بناء شراكات حقيقية لإنجاز أهداف يُفترض أنها مشتركة، والتضامن لمواجهة التحديات المتنامية.

من نافل القول أن الصعوبات التي تعترض الحراك النسوي لا تقتصر على الأوضاع السياسية، فالهجمات التي يشنها رجال الدين وحُماة العقلية الذكورية ضدّ عمل النسويات، وما يتعرضن له من تنمر وكراهية وتشهير وتحرش، كلها أسباب تعرقل عملهنّ، وتزيد من الفجوة بين المنظمات النسوية وبين المجتمع عموماً والنساء السوريات كفئة مستهدفة بشكل خاص, في ظل المفاهيم الخاطئة المكرّسة عن النسوية، نتيجة التجهيل والتفقير الثقافي والفكري، والتشويه المتعمّد للمفاهيم. فالمناداة بإسقاط الأبوية والسلطة الذكورية تُفهم بحرفيتها وأنها تحريض ضدّ الآباء، ومناهضة العنف الأسري دعوة لهدم الأسرة، وحرية المرأة تؤدي إلى انحلال الأخلاق والخروج عن الدين، والمطالبة بقانون أحوال شخصية مدني أو علماني، تعني نشر الكفر والإلحاد!

ما سبق يحتّم على المنظمات النسوية العمل بشفافية ودراسة رؤاها وسياستها، لتحديد أولوياتها وتقييم إمكانياتها الحقيقية، عوض  الدخول في منافسات تكرس الأدوات الذكورية، وتؤدي إلى الارتهان لسياسة المموليين. والأهم، أولاً وأخيراً، هو تمثّل القيم النسوية في هياكلها وسياساتها، بما هي نقيض الترتبية والهيمنة والإقصاء، وتبنّي سياسات وسلوكيات نسوية تتأسّس على الحكمة والمحبة والحرية.

شارك المقال على:
مقالات ذات صلة:

تقارير وتحقيقات

آخر الأخبار

مساحة نسوية

أرشيف الاتحاد