بنادق سوريّة للإيجار!

مضى شهر على بدء الغزو الروسي لجمهورية أوكرانيا، وما زال سيّد الكريملين بعيداً عن تحقيق أهدافه، لا على المستوى العسكري الميداني ولا السياسي، نظراً للمقاومة الأوكرانية الشرسة التي يواجهها الجيش الروسي، بما فاق أشدّ توقّعات قادته تشاؤماً، فضلاً عن المستوى العالي من التضامن وتنسيق المواقف بين دول “المعسكر الغربي”، سواء ضمن “حلف شمال الأطلسي”، أو دول الاتحاد الأوروبي، في مواجهة الحملة الروسية.

ومع كلّ تقدّم للقوات الروسية باتجاه المدن والبلدات الأوكرانية والمناطق المأهولة عموماً، ترتفع الكلفة البشرية للحرب، ويسقط مزيد من القتلى الروس، إلى درجة جعلت من الاستعانة بمرتزقة أجانب أمراً ملحّاً لزجّهم في الخطوط الأمامية ومعارك المدن المرتقبة. وبدأت التقارير الإعلامية، فضلاً عن الأمنية والرسمية، تتحدث عن آلاف المقاتلين السوريين الذين تعمل روسيا على تجنيدهم وتجهيزهم، من أجل إرسالهم إلى جبهات القتال في أوكرانيا، في مؤشّر على رغبة جنرالات بوتين في إيجاد طريقة للحدّ من الخسائر البشرية في صفوف الجنود الروس.

رغم الضجيج الذي أثير بشأن مشاركة مقاتلين سوريين في الحرب الأوكرانية، لكنها ليست المرّة الأولى (ولا يبدو أنها ستكون الأخيرة) التي يتحوّل فيها قسم من السوريين إلى مرتزقة في حروب الآخرين. فالسنوات القليلة الماضية من الإنهيار الشامل، والذي تعزّز بفعل رثاثة نظام الأسد والمعارضة وارتهانهما المخزي، أوصلت سوريا والسوريين إلى حالة بلغت من الانحطاط مبلغاً جعل من هذا البلد أحد مصادر البنادق المعدّة للإيجار، إذا جازت استعارة عنوان كتاب باتريك سيل “أبو نضال – بندقية للإيجار”، عن سيرة القيادي الفلسطيني صبري البنا، وتنظيمه الذي انشق عن حركة فتح عام 1974، واستمر في تقديم خدماته لمن يدفع، متنقلاً من رعاية جهاز أمني إلى آخر.

من اللافت أنّ كثيرين من السوريين المعارضين الذين انتقدوا الخطوة الروسية الأخيرة ، لم يأتوا مطلقاً على ذكر الريادة التركية في هذا الباب، وكيف أنّ حكومة أردوغان كانت سبّاقة في تحويل السوريين إلى مرتزقة يقاتلون خارج بلادهم وفق مصالح حكّام أنقرة.

اقرأ أيضاً: خروج العرب من التاريخ وإخفاق الدولة والمواطنة والحداثة في العالم العربي

للتذكير فقط، “الجيش الوطني” الذي حظي باهتمام تركي عالي المستوى، ووصفه الرئيس التركي بأنه “نواة الجيش الوطني لسوريا”، لم ينشأ لخدمة القضية السورية مطلقاً، وإنما ليكون أداةً عسكرية وأمنية بيد تركيا في شمال سوريا. ثم تجاوز الأمر الحدود السورية، حين قام الأتراك بإرسال عناصر من الميليشيات التي يتكوّن منها هذا “الجيش” إلى ليبيا للمشاركة في القتال، بمقابل مادّي، دعماً لحكومة الوفاق (حليفة تركيا) في صراعها مع قوات خليفة حفتر. وتكرّرت التجربة في أذربيجان التي تدعمها تركيا في الصراع مع أرمينيا للسيطرة على إقليم ناغورنو قارباخ المتنازع عليه، حيث أرسل الأتراك مجموعات ضمّت المئات من المقاتلين السوريين، اختيروا من بين الفصائل الأشدّ ولاءً لتركيا، للقتال إلى جانب قوّات أذربيجان ضدّ أرمينيا، أيضاً مقابل المال. هذا يعني أنّ استثمار تركيا في “الجيش الوطني” أتى ضمن استراتيجية طويلة الأمد لخدمة مصالحها في المنطقة، ومدّها بمقاتلين مأجورين تحت الطلب لخوض معاركها أو دعم حلفائها.

إنّ الانتشار الواسع لظاهرة المرتزقة في الحروب، دفع الجهات الحقوقية الدولية إلى إدراجها في قانون الحرب أو القانون الدولي الإنساني. ففي الملحق (البروتوكول) الأول الإضافي إلى اتفاقيات جنيف 1949، والذي أُقرّ سنة 1977، تناولت المــادة 47 منه موضوع “المرتزقــة”، وبحسب بندها الأول “لا يجوز للمرتزق التمتع بوضع المقاتل أو أسير الحرب”. وعرّف البند الثاني منها المرتزق بأنه أي شخص “يجرى تجنيده خصيصاً، محلياً أو في الخارج، ليقاتل في نزاع مسلح،  يشارك فعلاً ومباشرة في الأعمال العدائية، يحفزه أساساً إلى الاشتراك في الأعمال العدائية، الرغبة في تحقيق مغنم شخصي، ويبذل له فعلاً من قبل طرف في النزاع أو نيابة عنه وعد بتعويض مادي يتجاوز بإفراط ما يوعد به المقاتلون ذوو الرتب والوظائف المماثلة في القوات المسلحة لذلك الطرف أو ما يدفع لهم، وليس من رعايا طرف في النزاع ولا متوطناً بإقليم يسيطر عليه أحد أطراف النزاع، ليس عضواً في القوات المسلحة لأحد أطراف النزاع، وليس موفداً في مهمة رسمية من قبل دولة ليست طرفاً في النزاع بوصفه عضواً في قواتها المسلحة”.

أياً تكن المبرّرات المصلحية أو الظروف المادية التي قد تدفع بالمرء للتحوّل إلى مقاتل مرتزق، فإنّ هذا الصفة وتبعاتها، وفق التعريف السابق، تنطبق تماماً على كل سوري ارتضى القتال خارج الحدود، والمفارثة أنه يقوم بذلك لمصلحة دولة تحتلّ بلاده أصلاً، كما هو حال تركيا أو روسيا. ومن ثمّ، ينبغي على كلّ من يزعم أنه يرفض هذه الظاهرة ويأبى أن تُستغلّ حاجة السوريين وظروفهم البائسة لزجّهم في معارك لا صلة لهم بها، أن ينطلق من موقف مبدئي واضح يشمل فيه جميع المعنيين بالظاهرة دون استثناء، لا أن يكون انتقائياً وموارباً يحرّكه الانحياز السياسي أو الأيديولوجي، كأن يشير إلى المرتزقة الذين تجنّدهم روسيا وينسى نظراءهم ممن تحرّكهم تركيا، أو العكس.

شارك المقال على:
مقالات ذات صلة:

تقارير وتحقيقات

آخر الأخبار

مساحة نسوية

أرشيف الاتحاد