الحرب الروسية في أوكرانيا وتأثيراتها السورية

من المبكر معرفة انعكاسات الحرب الروسية في أوكرانيا على الصراع الجاري في سوريا، منذ 11 عاما، والذي باتت فيه الأطراف الخارجية أكثر فاعلية من الأطراف الداخلية, على ذلك لا يفيد هنا التسرع في الاستنتاج بأن ذلك التأثير سيحصل بشكل ميكانيكي رغم كل التشابه بين الحالتين، إذ روسيا التي تقاتل الشعب الأوكراني في أوكرانيا، هي ذاتها التي تقاتل الشعب السوري في سوريا، بل إن الادعاءات الروسية في أوكرانيا تشبه في معظمها الادعاءات التي بنت عليها روسيا لإرسال قواتها إلى سوريا، للقتال دفاعا عن نظام بشار الأسد، ضد الشعب السوري.

فوق ما تقدم ففي روسيا ثمة شخص واحد، هو الرئيس فلاديمير بوتين، الذي يقرر السياسات، ويتخذ القرارات، ويشن الحروب، وهذا ما يحصل في سوريا، أيضا، التي يرأسها بشأن الأسد، الذي حكم هو ووالده سوريا منذ أكثر من نصف قرن، فهو الذي يتخذ القرارات، ويحدد الخيارات، علما أنه أتى إلى رأس السلطة في ذات الفترة التي تبوأ فيها بوتين السلطة في روسيا.

في أوكرانيا يروج، أو يدعي، بوتين أنه يقاتل النازيين أو المتطرفين القوميين، أو أنه يريد حماية الأقلية الروسية في أوكرانيا، ثم يدعي أن أوكرانيا هي جزء من روسيا، كما يدعي أيضا انه يقاتل الحكومة الأوكرانية لأنها تستدعي التدخل الخارجي، من الناتو ومن الولايات المتحدة الامريكية. مثل تلك الادعاءات موجودة في سوريا، إذ يقول بوتين أنه أتى الى سوريا لمقاتلة الإرهابيين، وأنه يدافع عن روسيا في سوريا، وانه أتى للدفاع عن سيادة سوريا ووحدة أراضيها، ولكنه يفعل عكس ذلك الادعاء في أوكرانيا، إذ أنه شن الحرب في أوكرانيا لتقويض سيادتها وتجزئتها، وهي بالطبع ذات ادعاءات الأسد، بمحاربة المتطرفين والإرهابيين، والتدخلات الخارجية وحماية الأقليات! كأنها قصة دراسة على يد “شيخ” واحد!

مع ذلك ثمة ميزتين رئيستين في الوضع الأوكراني بالقياس للوضع السوري، الأولى، أن ثمة قيادة مركزية لإدارة الشعب الأوكراني، وترتيب مقاومته ضد الغزو الروسي، وهي تقوم بدورها بشكل ناجح ولافت. والثانية، أنه قيض لأوكرانيا دعما دوليا غير مسبوق، سواء لجهة حجم الضغط الموجه لنظام بوتين، أو لجهة اغداق الدعم المادي والعسكري لأوكرانيا، وللجيش الأوكراني، إذ منذ البداية كان ثمة مضادات طائرات ودبابات ومسيرات، وهي كلها لعبت دورا كبيرا في كبح الهجوم الروسي، وفرملته، رغم كل الدمار الذي حصل ورغم تشريد الملايين من الاوكرانيين.

 هاتين الميزتين حرمت منهما الثورة السورية، أولا، بحكم افتقادها لكيان وطني جامع، ولقيادة تعبر عنه وتمثله وتدير نضاله لاستعادة حقوقه، في التغيير السياسي، نحو المواطنة والديمقراطية، بسبب تحريم النظام للسياسة في سوريا منذ أكثر من نصف قرن. وثانيا، بحكم التدخلات الخارجية المضرة التي استنزفت الثورة السورية وحرفتها، أو ازاحتها، عن مقاصدها الأساسية النبيلة، في إقامة نظام يتأسس على حقوق المواطنة وتداول السلطة في نظام ديمقراطي. وفي ذلك فقد تعرض الشعب السوري لخذلان كبير، من “الأصدقاء”، على الصعيدين العربي والدولي، كما تعرض لانكشاف كبير أمام التدخلات الخارجية لصالح النظام من قبل إيران وميلشياتها الطائفية المسلحة، ومن قبل القوات الروسية التي تدخلت منذ أواخر 2015، من دون أي اعتراض من الأطراف الدولية المعنية، بل شاهدنا ان تركيا دخلت في نوع من تنسيق مع ايران وروسيا في ثلاثي استانة، وشاهدنا ان ثمة تفاهم ولو غير مكتوب بين روسيا والولايات المتحدة، ضمنه ضمان امن إسرائيل، واطلاق يدها في الضرب في سوريا.

مع ذلك فإن مجرد اصدار دول (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا) لبيان يربط ما يجري في أوكرانيا بما جرى في سوريا، او اصدار توجه من الكونغرس الأمريكي، بتشديد العقوبات على نظام الأسد، على كل ما في هذا وذاك من أهمية، وندم، أو اعتراف، بخذلان الشعب السوري، لا يفترض منه الاستنتاج بأن الأمور ستتغير حالا، فذلك ينطوي على تسرع، ونوع من سذاجة.

القصد أنه ثمة مسافة كبيرة ينبغي قطعها للوصول إلى ذلك، ضمنها، أولا، انتظار مآل الصراع على أوكرانيا، لأنه بناء على ذلك سيتقرر شكل النظام الدولي، ومكانة روسيا فيه، وكيفية تموضع الأطراف الدوليين، وبخاصة الأطراف الإقليميين، أي إيران وتركيا. ثانيا، لا يمكن للسوريين استثمار أي تطور دولي، مهما كانت عوائده لصالحهم، بدون أن يصوبوا أوضاعهم، بالتوجه نحو إنشاء كيان سياسي جامع، يستعيد المقاصد الأساسية لثورتهم التي اندلعت قبل 11 عاما، المتمثلة بانهاء نظام الاستبداد، واستعادة حقوقهم في بلدهم كمواطنين أحرار ومتساوين في نظام ديمقراطي يكفل الفصل بين السلطات وتداول السلطة، مع الاعتراف بواقع التعددية والتنوع في سوريا كعامل اغناء وتوحيد لها وليس كعامل شقاق وتجزئة بها. ثالثا، هذا يتطلب أن يكون القرار الدولي قد نضج باتجاه إيجاد حل للصراع الدامي والمدمر الدائر في سوريا منذ 11 عاما، وعلى أساس تحقيق التغيير السياسي المنشود، باتجاه الحرية والمواطنة والديمقراطية لكل السوريين.

شارك المقال على:
مقالات ذات صلة:

تقارير وتحقيقات

آخر الأخبار

مساحة نسوية

أرشيف الاتحاد