استغلال، تهريب، بيع تحت تهديد السلاح.. الأدوية في مناطق النظام السوري

في الصيدلية رقم (22)، استسلمت ندى (اسم مستعار) لمصيرها وأدركت أنها لن تجد دواء أوغماسيل عيار (1000)، الذي وصفه الطبيب لوالدتها، وحين همّت بالخروج من الصيدلية مكسورة الخاطر، فاجأها الصيدلاني بعبارة: “بتدفعي لنأمنوا؟”.

تقول ندى إنها استغربت كثيراً في البداية، فهي بالتأكيد لم تكن تنوي أن تأخذه صدقة من الصيدلية، وشاركت الصيدلاني ما يدور في خلدها، ليقول لها إنه لا يقصد ذلك، بل يقصد إنه قادر على تأمينه إن كانت تستطيع دفع ثمنه مضاعفا لثلاث مرات!

تحت وطأة الحاجة استسلمت ندى ووافقت على الدفع، ليحضر الصيدلاني علبة الدواء من الغرفة الخلفية في الصيدلية ويبيعها إياها بسعر (8500) ليرة للعلبة الواحدة التي لا يتجاوز ثمنها الرسمي (2950) ليرة سورية.

تضيف ندى، الشّابة التي تعيش في دمشق وتعمل موظفة في إحدى مؤسّسات النظام السوري براتب لا يتجاوز ثمانين ألف ليرة سوريّة (نحو 25 دولار أميركي) للاتحاد ميديا: “مشكلة انقطاع الأدوية أو بالأحرى احتكارها من قبل الصيادلة وشركات التصنيع، مشكلة ازدادت وطأتها منذ بداية العام الجاري في سوريا، والكثير من جيرانها لم يعودوا قادرين على شراء المضادات الحيوية بسبب ارتفاع ثمنها في السوق السوداء”.

العديد من الزمر الدوائية مفقودة اليوم في سوريا، ومتاحة فقط لمن يدفع أكثر، في محاولة جديدة من شركات الأدوية على إجبار حكومة النظام السوري رفع سعر الدواء، ومن الواضح أن النظام عاجز عن إلزام شركات الأدوية بالتسعيرة الرسمية، ولا يخلو الأمر من بعض الفساد والتعاون الضمني مع تلك الشركات على حساب المواطن “الصامد” كما يطيب للنظام السوري تسميته.

اللاذقية، حمص، حماة ليست أفضل حالاً

عبثا يبحث حنا (اسم مستعار)، عن دواء “فالبرون عيار 500” وهو دواء مخصص للأعصاب، ويؤكد أنه لم يترك صيدلية في المحافظة إلا وبحث عن الدواء دون جدوى.

يضيف: “حاولت التواصل مع أصدقائي خارج المحافظة، فبدون هذا الدواء سيزداد وضعي الصحي سوءا، وبالفعل وجدته أخيرا في حلب، إلا أني دفعت ثمنه مضاعفا أربع مرات تماما للأسف، واليوم تكاد العلبة تنتهي، ولا أعلم كيف سأومن ثمن العلبة الجديدة”.

ورغم أن فقدان الأدوية من الأسواق واحتكارها لبيعها بأسعار مرتفعة يثقل كاهل المرضى وغالبيتهم من الفقراء، إلا أن الشريحة الأكبر تضررا هم فئة المصابين بالأمراض المزمنة، وبينهم علياء (اسم مستعار) من حمص، التي فشلت في الحصول على دواء كارباتيك بثمنه الأساسي، إنما عرض عليها بثمن ضخم جدا لم تستطع دفعه ففضلت انتظار العواقب، تقول: “أولا وأخيرا بدنا نموت، أساسا حياتنا بسوريا حالياً قبر، يمكن القبر تحت الأرض يكون فيه شي أحلى من القبر يلي عايشينو فوق الأرض”.

اقرأ ايضاً: “لم أكن أعلم على ماذا بصمت”… استيلاء “مقونن” على ممتلكات المدنيين في السّاحل السوري

في حماة أعلن مسعود (اسم مستعار) انتصاره بعد أن وجد دواء دياميكرون الخاص بمرضى السكري في الصيدلية رقم (12) التي زارها ذلك اليوم، ورغم أن الصيدلاني اشترط عليه دفع (14500) ليرة ثمن العلبة الواحد بزيادة نحو 4 أضعاف عن ثمنها الحقيقي، إلا أنه طلب منه شراء أربع علب كمؤونة للأيام القادمة، يضيف: “بعد طول جدال نجحت بإقناعه أن يبيعني ثلاثة علب، وافق بشرط أن أشتري معها أدوية أخرى عبارة عن مكملات غذائية توشك صلاحيتها على الانتهاء، أنا والحمد لله امتلك الأموال، من الواضح أن الفقير نهايته الموت بطريقة ما في هذا البلد”.

صيدلاني: نحن بريئون!

عبد الرزاق (اسم مستعار) أحد الصيادلة في العاصمة دمشق، قال إن مشكلة رفع سعر الدواء ليست مسؤولية الصيدلاني، وأضاف للاتحاد ميديا: “معامل وشركات الأدوية توزع لنا الدواء بالقطارة، على سبيل المثال، يعطوننا صندوق أو اثنين من أحد الأنواع بالسعر الرسمي، ويقولون لنا إن كنتم تريدون أكثر فعليكم شرائه بسعر أكبر لأنو بطلت توفي معنا”.

أمام ذلك الواقع يقول الصيدلاني، إنه: “مضطر لشراء احتياجاته بالسعر الأعلى ليلبي حاجة الزبائن وهو مضطر لأن يخيرهم بين أن يشتروا الدواء بالسعر الذي غالبا ما يكون أكبر بنحو ثلاثة أضعاف عن سعره الحقيقي، وإلا فإنه يعتذر منهم”.

لكن عبد الرزاق توقف مؤخرا عن شراء الأدوية بالسعر الحر، واكتفى بما تمنحه إياه المعامل وشركات الأدوية بالسعر الرسمي، بسبب حادثة كادت أن تحرمه حياته، يرويها لنا قائلاً: “كنت أهم بإغلاق الصيدلية مساء أحد أيام شهر تشرين الأول الفائت، حين دخل شاب يبدو أنه في منتصف عقده الثالث، سألني عن نوع من الدواء مضاد حيوي يستخدم للأطفال، وحين أخبرته بأنه موجود بشرط دفع عدة آلاف من الليرات، حدث بيننا تلاسن كلامي، لأطلب إليه مغادرة الصيدلية فبدأ بشتمي وضربي ثم أخرج مسدسا كان بحوزته، وهنا منحته الدواء أخذه وغادر”.

لم يتقدم الصيدلي بأي شكوى لقناعته بأن الشكوى لن تغير في الأمر شيئا، على العكس ربما يتعرض لرد فعل انتقامي من الشاب، إلا أنه وبعد هذه الحادثة أقسم بعدم شراء أي دواء أغلى من السعر الرسمي مهما كلف الأمر.

عمليات التّهريب إلى لبنان والعراق

معامل وشركات الأدوية لم تتوقف عن الإنتاج، وبحسب مصدر في أحدها فإن أكثر من (80) بالمئة من الدواء المنتج يتم تهريبه إلى العراق ومؤخرا إلى لبنان وهناك يباع بأسعار مضاعفة عدة مرات عن ثمنه داخل سوريا.

يؤكد المصدر أن عملية التهريب تتم أمام مرأى ومسمع الجهات الرقابية بما فيها الجمارك، مقابل حصة يأخذها اولئك العناصر لتسهيل مرور الأدوية المهربة.

أسواق لبنان شكلت فرصة رائعة بالنسبة لشركات الأدوية، فاليوم لبنان يعاني من ضائقة كبيرة وفقدان العديد من الأصناف الدوائية، بالمقابل فإن التهريب إليه أسهل من التهريب إلى العراق.

تكاليف الإنتاج

يتحجج أصحاب معامل الأدوية بارتفاع تكاليف الإنتاج قياساً بالأسعار التي حددتها وزارة الصحة التابعة للنظام السوري، وبالتالي فإن البيع ضمن تلك الأسعار يشكل خسارة بالنسبة لهم.

يقول أحد الأطباء (فضّل عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية)، إن الأخطر من كل هذا تخفيض المادة الفعالة في الدواء، بطريقة لا تناسب علاج الحالة أيا كان المرض، وهذا أمر ليس من السهل اكتشافه إن أرادت الجهات الرقابية تحليل الأدوية.

يستند الطبيب في شكوكه تلك، إلى عدم مقدرة الدواء السوري على علاج أبسط الحالات المرضية، مؤكدا أنه لم يعد يصف الحبوب أو الشراب لمرضاه، وينصحهم بأخذ الإبر فورا.

وبحسب مصادر خاصّة حصلت عليها الاتحاد ميديا فإنّ حكومة النظام السوري تتجه نحو رفع أسعار الأدوية بالتنسيق مع شركات الأدوية في سوريا.  

شارك المقال على:
مقالات ذات صلة:

تقارير وتحقيقات

آخر الأخبار

مساحة نسوية

أرشيف الاتحاد