إعلانات طرقيّة لبيع الكُلى في سوريا

لم تجد هيفاء (اسم مستعار) 45 عاماً، سبيلا آخر لحماية نفسها وطفلها الصغير من التشرد والفقر، سوى عرض كليتها للبيع في العاصمة السّورية. دمشق.

هيفاء التي تعمل في محل ألبسة، وتعيش في منزل مستأجر بأحد ضواحي العاصمة، هددها صاحب المحل بالطرد في حال لم توافق على رفع الإيجار الشهري، وعرض عليها خيارا آخر وهو شراء المنزل.

تقول للاتحاد ميديا: “أمتلك بعض المال، كذلك بعض القطع الذهبية إلا أن جميع ما أملك لا يوفر لي المبلغ الكافي لشراء المنزل، ولم أكن أملك أي سبيل آخر سوى بيع كليتي، وحماية طفلي من التشرد”.

الظروف الاقتصادية الصّعبة التي يعيشها السوريون اليوم، بعد فشل النظام السّوري في تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة، دفعت بعدد لا بأس به للتفكير جديا في بيع الأعضاء، يساعدهم في ذلك انعدام الرقابة والانفلات الأمني الكبير الذي تشهده عموم البلاد.

بيع الكلية بغرض السّفر

علي (اسم مستعار) 23 عاماً، قرر هو الآخر أن يبيع كليته ويحقق حلمه بالسفر خارج البلاد، بحثا عن فرص أفضل. ينتشي الشاب الصغير بنفسه، ويقول إن جسده الرياضي وصغر عمره وبنيته الجسدية القوية، أمور من شأنها أن تؤمن له سعرا جيدا لإحدى كليتيه، مؤكدا أنه لم يخبر أهله بنيته هذه، ويبحث اليوم من خلال صفحات السوشيل ميديا عن مشتري، ويقول: “أحاول أن أجد مشتري من خارج سوريا، أولئك يدفعون أكثر من المتواجدين هنا”.

لا يوجد سعر واحد للكلى في سوريا، العديد من العوامل تحدد السعر، فالمريض الذي يحتاج إلى كلية بشكل عاجل، سيدفع ثمنا أكبر لقاء هذا العضو، كذلك قد يتم اللعب على عامل العمر وصحة المتبرع، وغالبا بقصد الاحتيال على المتبرع الذي يكون عموما من الطبقة الفقيرة فيتم الحصول على الكلية بسعر أقل.

في العموم لا يتجاوز سعر الكلية الواحدة في سوريا الـ 10 آلاف دولار، أي نحو 35 مليون ليرة سورية تقريبا، وهو مبلغ صغير يغري المرضى من الدول المجاورة للبحث عن متبرع داخل سوريا.

إعلانات طرقيّة لبيع الكُلى في دمشق

سماسرة بيع الكلى ينشطون بكثافة، سواء عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو بالقرب من المستشفيات، بحثا عن متبرعين ووصلهم بالمرضى المحتاجين للكلى من خارج سوريا.

قبل عدة أشهر، ومن خلال أحد السماسرة في دمشق، تعرف عبد الرحيم (اسم مستعار) 42 عاماً، على أحد مرضى الكلى في الأردن، وقام بمنحه كليته مقابل 30 مليون ليرة.

عبد الرحيم الذي يعمل كعتال وعامل بناء وفي أي عمل يتوفر له، قال إنه قد وضع إعلاناً طرقياً يعبر فيه عن رغبته ببيع كليته، ووضع رقم تلفونه عليه، وما هي إلا عدة أيام حتى اتصل به أحد الأشخاص، بين له لاحقا أن هذا الشخص يعمل كسمسار لبيع الكلى، وأضاف أن هذا السمسار أخبره بأن يساعده في الوصول إلى متبرعين جدد، مقابل مبلغ مادي مليون ليرة عن كل متبرع.

بين خياري الانتحار وبيع الكلية

بين الانتحار وبين بيع إحدى كليتيه، اختار سعيد (اسم مستعار) 55 عاماً، بيع إحدى كليتيه ليتمكن من العيش بكرامة بدون مد يده لأحد. يقول للاتحاد ميديا: “كان يمتلك منزلا جميلا ومطعم وجبات سريعة في جوبر، وكانت أحواله جيدة جدا “ومستورة والحمد لله”، فجأة وجد نفسه بدون منزل ولا محل، أتت الحرب في جوبر على كل شيء تقريباً، وأصبح يعيش حياته تحت اسم (نازح)”.

غادر أولاد “سعيد” البلاد وصلوا أوروبا كلاجئين، لا يستطيعون إرسال أي أموال إليه لأن أوضاعهم سيئة كما يقولون له، وهو الذي يعيش في غرفة مستأجرة بأحد ضواحي العاصمة، لم يعد قادرا على تأمين الإيجار الشهري الذي ارتفع لنحو 200 ألف ليرة تقريباً.

اقرأ أيضاً: “لم أكن أعلم على ماذا بصمت”… استيلاء “مقونن” على ممتلكات المدنيين في السّاحل السوري

يضيف: “كلما صادفت متشردا في الشارع، رأيت نفسي به، ربما اليوم أو غدا سأصبح مثله بلا مأوى، فكرت جديا بالانتحار قبل أن أسمع بإمكانية بيع كليتي، فبدأت بنشر إعلانات عبر الفيسبوك عليّ أجد مشترياً، وأنا اليوم في الانتظار.

يقول العم سعيد، إنه ورغم تقدمه في السن، فإنه لا يدخن ولا يشرب وهو رجل رياضي، ولا يعاني من أي أمراض مزمنة، في محاولة منه لترغيب المشترين”.

الإعلام الرسمي يثير الموضوع

أواخر عام 2020، أثارت صحيفة البعث التابعة للنظام السوري، موضوع بيع الكلى في البلاد. وأوردت الصحيفة شاهدًا على كلامها، زوجين سوريين، من حرستا خسرا منزلهما نتيجة المعارك، وانتقلا للعيش في منزل مستأجر، لاحقا اضطر طفلهما لإجراء عملية قلب مفتوح، فما كان من الزوج إلا وعرض كليته للبيع، ليتم الأمر ويبيعها بمبلغ 30 مليون ليرة، أجرى لولده العملية ودفع الديون المتراكمة على العائلة.

بعد فترة قامت الزوجة بعرض كليتها للبيع، بهدف شراء منزل صغير وسيارة ليعمل عليها الزوج، وفق ما ذكرت الصحيفة حينها، قبل أن تحذف خبرها بالكامل نتيجة الضجة التي أثارها.

العرض الكثير خفّّض السعر

بالاستناد إلى ما ساقته صحيفة البعث عام 2020، كان سعر الكلية في سوريا حينها 30 مليون ليرة سورية، وعلى الرغم من ارتفاع الأسعار الكبير إلا أن السعر ما يزال نفسه اليوم.

توضح مصادر طبية طالبت عدم الكشف عن اسمها، إن كثرة العرض في سوريا، أدت لتحكم السماسرة الذين باتوا يفاصلون المتبرع على سعر الكلية لمعرفتهم بحاجته، وبالتالي رفع عمولة السمسار التي تصل لأكثر من 3000 دولار لكل كلية.

تقول صحيفة البعث التابعة للنظام السوري في تحقيقها ذاته، إن عمليات بيع الكلى باتت تتم عبر مافيات متخصصة داخل البلاد، تقوم تلك المافيات باختيار الأشخاص صغيري السن من بين المتبرعين، لأن المريض القادر على الدفع يشترط أن يشتري الكلية من شخص صغير بالعمر ويتمتع بصحة جسدية عالية.

وأكدت الصحيفة أن العديد من الأطباء باتوا يمارسون جريمة الاتجار بالأعضاء بشكل شبه علني، وكشفت عن وجود شبكات خاصة لشراء الكلى وحتى أجزاء من الكبد من السوريين، بهدف بيعها خارج البلاد بأسعار مضاعفة تصل لأكثر من 15 ألف دولار للكلية الواحدة، مؤكدة أن تلك الشبكات تستغل غياب الرقابة بشكل تام.

مطلع العام الماضي، قالت صفحة سماعة حكيم الإعلامية في فيسبوك، وهي صفحة شبه رسمية، إن كلى الغرباء ماتزال المصدر الرئيسي لزراعة الكلية في سوريا، وبلغت نسبتها 53 بالمئة من مجموع الكلى التي تمت زراعتها خلال العام 2020 وهي النسبة ذاتها للعام 2019.

وأضافت أن عدد عمليات زراعة الكلى من الغرباء بلغت خلال 2020، 113 عملية من أصل 213، وتابعت: “غني عن الذكر أن هذه الكلى القادمة من الغرباء هي كلى قد تم بيعها من أصحابها لقاء مبالغ خيالية وصلت إلى ثلاثين مليون ليرة وهذا مخالف للقانون السوري الذي يمنع بيع الأعضاء لكن يبدو أن هذه القوانين موضوعة على الرف”.

ما يؤكد حديث الصفحة الطبية، هو ما قالته مصادر خاصة رفضت الكشف عن اسمها، من أن اللجان الطبية الخاصة بالتأكد من وجود قرابة بين المتبرعين، تتقاضى رشاوي مقابل تمرير الحالات ومنح الموافقة عليها تمهيدا لإجراء عملية النقل والزراعة بطريقة قانونية ودون أي مشاكل تذكر.

مرحبا قانون!

شكليا، يمنع القانون السوري عملية بيع الأعضاء، ويعاقب عليها بالسجن والأشغال الشاقة، كذلك بدفع غرامات مالية، بالمقابل لا يمانع التبرع بالأعضاء، لذلك نشاهد إعلانات الفيسبوك غالبا ما تكون تحت بند: مطلوب متبرع كلية، أو: أرغب التبرع بالكلية، وتبدأ بعدها على الخاص رحلة المفاصلة على السعر.

إلا أن بعض الجاهلين بالقوانين، لا يمانعون وضع السعر الذي يستطيعون دفعه مقابل الحصول على الكلية كما في الإعلان أدناه، الذي حصلنا عليه من خلال الفيسبوك، والذي حدد سعر 7000 دولار ثمن شراء كلية لمريض في إيران.

وتغص صفحات الفيسبوك، بإعلانات بيع الكلى أو شرائها، في وقت تتفاقم الظروف المعيشية وتدفع بالسوريين، إما إلى الانتحار أو بيع أجزاء من أجسادهم، بينما لا يحتاج الأمر من المعنيين سوى فرض بعض الرقابة على تلك الصفحات للوصول إلى السماسرة وشبكات الاتجار بالبشر، إلا أن السلطات لا وقت لها فهي مشغولة بتصيد من ينتقدها عبر السوشيل ميديا وزجهم في السجون.

شارك المقال على:
مقالات ذات صلة:

تقارير وتحقيقات

آخر الأخبار

مساحة نسوية

أرشيف الاتحاد