نظرة عن قرب.. كيف يصوم المشردون في سوريا؟

بالقرب من أحد المحال التجارية في أحد أسواق أقدم عاصمة مأهولة في العالم، دمشق، جلس مسنداً ظهره على حائط، بثياب علكها الفقر، لا شفيع لهذا اليافع الصغير حتى طفولته، تقترب منه، تبادره التحية ثم تقول له: “رمضان كريم”، يرمقك بنظرة باردة ثم سرعان ما تسقط عيناه إلى يديك، هو لا يأبه بتحيتك ولا حتى بلطفك، ينتظر منك أن تمد يدك له ببعض المال أو الطعام.

المشهد السابق ليس حكراً على دمشق وحدها، الظلم والفقر والحاجة، هو أكثر ما يتقاسمه السوريون هذه الأيام، تزداد تلك المعادلة الثلاثية وطأة على أرواحهم بدخول “شهر الخير”، الذي لم يعد يعنيهم فصيامهم موصول منذ سنوات عديدة.

أخبرني أن اسمه أحمد وعمره 12 عاماً، لجأ إلى دمشق هربا من دير الزور مع عائلته، التي تشتت شملها بعد سجن الأب وزواج الأم، وبقي وحده في الشارع، وبأنه لا يعرف عن رمضان أكثر من أنه يستطيع أن يجد فيه الكثير من الطعام الملقى في القمامة.

يقول أحمد، إنه يقيم في أزقة مشروع دمر، ولا يمارس أي عمل ولم يدخل أي مدرسة، ويضيف: “في شهر رمضان هنا، تفيض القمامة بالعديد من الأطعمة، وغالباً ما أجد لحماً ودجاجاً وبقايا أكل جاهز”.

أحمد لا يصوم، لكنه وبحكم انتظار طعام “الطبقة المخملية” في مشروع دمر، مضطر لأن ينتظر لما بعد الإفطار ليأكل، إلا إن حصل على وجبة ما من عابر سبيل في الصباح أو الظهيرة.

الأسعار تتجاوز قدرة السوريين

سجلت أسعار المواد الغذائية ارتفاعاً كبيراً مؤخراً في سوريا، يقدره البعض بأنه يبلغ نحو 40 بالمئة عن أسعار ما قبل بدء الهجوم الروسي لأوكرانيا، والذي يعتبر اليوم الشماعة التي يعلق عليها المسؤولون السوريون لدى النظام السوري فشلهم في ضبط الأسواق.

بعد اللحوم والدجاج والفواكه، بدأ الأرز والبرغل والخضار يخرجون من حسابات غالبية السوريين، فمن المستحيل اليوم أن يوجد سعر كيلو واحد من الخضراوات تحت الـ 2000 ليرة كما هو حال الفول الأخضر اليوم، ويرتفع ليصبح 4000 ليرة للبندورة، و5500 للخيار، و600 ليرة لباقة البقدونس أو النعنع، و2800 ليرة لكيلو البطاطا، و6000 ليرة لكيلو البرغل، و4000 ليرة للأرز.

اقرأ أيضاً: متى يعود المهجرون إلى عاصمة الشتات “مخيم اليرموك”؟

ارتفاع الأسعار وصل إلى حد غير مسبوق، لدرجة أن رئيس لجنة تسيير أعمال سوق الهال في اللاذقية، معين الجهني، خرج عبر صحيفة الوطن التابعة للنظام السوري، ليقول مطلع نيسان الجاري أن البندورة ليست للمواطنين العاديين، بل هي للمواطنين الاستثنائيين الذين يستطيعون دفع ثمنها في ظل الظروف الراهنة، في تصريح يعبر بوضوح عن الفشل الذريع لحكومة البلاد الخدمية، في تأمين حتى البندورة بسعر مناسب لمواطنيها.

نصوم يومين ونأكل في الثالث

في شوارع مدينة اللاذقية الساحلية، الكثير من المشردين الذين بغالبيتهم من النازحين من باقي المحافظات الأخرى، والذين لم يعودوا قادرين على دفع إيجار المنازل بعد ارتفاع إيجارها الكبير مؤخراً، فلجأوا إلى الشارع دونما حل آخر، تلك الفئة لا تعرف من رمضان موائده العامرة، بل تعرف صيامه الذي بات أمرا اعتياديا على مدار العام.

عبد المعطي، سبعيني يجول شوارع المدينة منذ الصباح وحتى وقت متأخر من الليل، بحثاً في القمامة، إما عن عبوات بلاستيكية لبيعها، أو عن طعام يتناوله، وغالباً ما يجلس أمام المشافي التابعة للنظام السوري، علّ أحد العاملين في مطابخها يتصدق عليه بطبق من الطعام.

يضيف: “أنا من إدلب، هربت منها منذ عام 2015، كان لدي عائلة، لكن لا أعرف أين هم أولادي فقد سافروا حينها ولم أشأ مغادرة البلاد، وانقطعت كل وسائل التواصل معهم، كنت أقيم في غرفة مستأجرة في حي الحمام، لكن مالكها رفع الأجرة العام الفائت إلى 50 ألف ليرة شهرياً، ولم أستطع الدفع فخرجت إلى الشارع”.

عبد المعطي عمل في ورش البناء لعدة سنوات، لكن سنه الكبير لم يعد يمكنه من استمرار العمل، كما أن أعمال البناء تراجعت جداً منذ عامين تقريباً، كما يقول.

لا ينسى عبد المعطي الذي كان يمتلك محل سمانة في إدلب قبل الحرب، موائد رمضان العامرة، والتي يتخيلها كل ليلة مع بدء آذان المغرب، حيث يجلس في أحد الحدائق العامة، وبحوزته بعض الخضراوات التالفة التي حصل عليها من قمامة سوق الخضار بالقرب من مجمع أفاميا التابع للنظام السوري، وتضم عدة حبات من البندورة والخيار والكوسا والباذنجان، ينزع الجانب العفن منها ويتناول القسم الآخر السليم، وأحياناً يحصل على موز وفريز وتفاح يتعامل معها بالطريقة ذاتها.

ورغم أن مأساة السوريين تكاد تبدو واحدة، بفارق وجود سقف يستر البعض، إلا أن معاناة المشردين أعمق بكثير.

إحسان محظوظ جداً!

يرى إحسان 17 عاماً أنه محظوظ جداً، فقد اكتشف كنزاً لا يقدر بثمن، حين تعرف على أحد العمال في أحد مطاعم مدينة حمص، فبات هذا العامل يقدم له كل يوم بقايا طعام من موائد مرتادي المطعم، يضيف إحسان الذي يعيش متنقلاً في شوارع المدينة أنه لم يعرف من الحياة سوى الصيام عن كل ملذاتها، لذا يرفض أن يصوم بالطريقة المتعارف عليها، ويؤكد أنه متى حصل على وجبة سيتناولها وبأي وقت أو مكان.

وبخلافه فإن منذر 19 عاماً، ورغم أنه يعيش متشرداً منذ نحو 8 أشهر حيث هرب من ضرب والده المتكرر له، يصر على الصيام، ويبحث في الجمعيات الخيرية عن وجبة فطور كل يوم، وآخرها كانت وجبة مكونة من الأرز واللبن وبعض الدجاج على وجهها مع حبة تمر.

يضيف منذر: “نحن مجموعة من المشردين كما يصفوننا، لكل واحد فينا حكاية، بعضنا هرب من الميتم، وبعضنا لم يعرف عائلته يوماً، نعيش في الشوارع على ما تجود علينا به القمامة، وسر نجاح العملية يكمن في أن نسبق سيارات القمامة، وأن نقتنص طعامنا قبل أن يلقى القبض علينا بتهمة نبش القمامة”.

لا يمتلك المشردون في الشارع ترف طهي الطعام، وربما تلك الميزة الوحيدة التي يتميز فيها ساكنو المنازل من طبقة المواطنين “العاديين”، كما وصفهم مسؤول سوق الهال في اللاذقية، والذين يعيشون ظروفاً مزرية تحضنها جدران منازلهم.

المجد لـ “الفول”

تقول لميس 36 عاما موظفة حكومية، إن عائلتها طبخت الفول الأخضر على الفطور 6 مرات منذ بدء شهر الصوم، لكون الفول أرخص الخضار الموجودة.

تضيف: “راتبي 90 ألف وراتب زوجي كذلك، ولدينا ولدان أعمارهما 11 و8 سنوات، علينا أن نتدبر أمورنا بذلك المبلغ، لذلك لا حل سوى بشراء الخضراوات القديمة والتي يكون سعرها أقل قليلاً من الطازجة، ففي آخر النهار أستطيع أن أشتري كيلو الفول بـ 1000 أو 1500 ليرة مثلاً سابقاً كنا نعتمد على البطاطا، لكنها اليوم لم تعد طعام الفقراء، كذلك المجدرة التي باتت طعاماً مترفا منذ أصبح سعر كيلو البرغل يتراوح بين 5 و6 آلاف ليرة”.

تسول إلكتروني

ليست فقط شوارع سوريا من تمتلئ بالمتسولين والمحتاجين، بل صفحات مواقع التواصل الاجتماعي أيضاً، ولا تكاد تخلو صفحة فيها من استجداء الصدقة، فالحال ضاق كثيراً لدرجة أنك سترمي بكرامتك عرض البحر، وأنت ترى أطفالك جياع، لكن لا يبدو أن مسؤولي النظام يرون هذا الواقع، وعلى الأرجح لا يودون رؤيته فالحرب التي عصفت بالسوريين لم تمر بهم ولم يعيشوا أزماتها، من فقر وأزمة نقل ومحروقات وغيرها، وأقصى ما يستطيعون فعله سن قوانين تجرّم كل من تسول له نفسه انتقاد الواقع المعيشي وإجراء تلك المقارنة.

فجوة بين الدخل والمصروف

لا يوجد أي إحصاءات في سوريا، إلا أنه مركز قاسيون للأبحاث في دمشق، قال مؤخرا إن متوسط تكاليف المعيشة أصبح 2.8 مليون ليرة شهرياً (نحو 400 دولار أميركي)، بينما لا يزيد متوسط دخل الفرد السوري الشهري عن 100 ألف ليرة سورية، ما يعني وجود فجوة هائلة بين الاحتياج الحقيقي وبين الدخل الذي تمنحه حكومة النظام.

ورغم أن الموظفون ما يزالون متواجدون في حسابات النظام السوري، أو على الأقل في تصريحات مسؤوليها، فإن المشردون خرجوا من حساباتها بالكامل، حتى أن غالبية المسؤولين التابعين للنظام السوري يتحاشون التصريح عنهم أو حتى الاعتراف بوجودهم، وغالباً ما يتهمون بأنهم من أصحاب الأملاك الذين يمتهنون التسول، أو أنهم من النباشين الذين يحصلون على أموال طائلة من القمامة.

ذلك الواقع غير متجه إلى الحل، هذا ما يفهم من الشائعات التي تم تسريبها مؤخرا عبر السوشيل ميدياً، عن تغيير حكومي قادم، وهو الأمر الذي تعتمد عليه السلطات في دمشق لتنفيس غضب الشارع، رغم أنه وبحكم التجربة لا يوجد تغيير فقط انحدار مستمر في كل شيء، إلا في موائد المسؤولين العامرة.

شارك المقال على:
مقالات ذات صلة:

تقارير وتحقيقات

آخر الأخبار

مساحة نسوية

أرشيف الاتحاد