تأمين الكهرباء: السوريون يختزلون أحلامهم بـ “حمام ساخن”

سافرت “ليلى” وهي موظفة (43) عاماً من مدينة حمص إلى قريتها البعيدة في الريف، بحثاً عن حمام ساخن لها ولعائلتها المكونة من ولدين وبنت، وذلك بعد 20 يوماً على آخر حمام للعائلة في منزلهم، والذي استعانوا خلاله ببقايا أسطوانة الغاز قبل أن تنتهي هي الأخرى، دون حل ببديل قادم قبل أقل من 3 أشهر بالحد الأدنى.

تشرح ليلى وضع الكهرباء، التي إن حضرت فإنها تحضر لمدة تتراوح بين 20 إلى 30 دقيقة بالحد الأعلى، وهي مدة لا تكفي حتى يتسنى للسخان الكهربائي القيام بعمله، ولا سبيل أبداً لإحضار الحطب وتسخين المياه عليه على شرفة المنزل، فكان الحل الوحيد بالمغادرة إلى القرية والاستمتاع بحمام ساخن.

“بدنا نتحمم”، هكذا اختزل السوريون أحلامهم ومطالبهم مع بداية العام الجاري، الذي شهد أسوأ تقنين كهربائي عاشته البلاد منذ عام 2011، رغم أن وعود النظام السوري كانت تؤكد أنه سيكون شتاء آمنا من حيث توفر الطاقة، كذلك وزير الكهرباء في حكومة النظام السوري، غسان الزامل، سبق أن وعد بأن يكون وضع الكهرباء مقبولا نوعا ما.

اقرأ أيضاً: انتهازية النظام الأردوغاني.. أسلمة في الواجهة وفاشية طورانية في الجوهر

 إلا أن ساعات التقنين اليومية تجاوزت الـ20  ساعة قطع لدى كل السوريين، باستثناء المسؤولين لدى النظام السوري الذين يمتلكون “خطا أمنياً” لا تغيب الكهرباء عنه على الإطلاق، كذلك بعض الأحياء “الراقية” في محافظة دمشق مثل أبو رمانة والمالكي، اللذان حافظا على وضع مستقر للكهرباء، وحين سأل وزير الكهرباء في أحد اللقاءات الإذاعية عن الأمر، قال إن دمشق واجهة سوريا لذا فإن الكهرباء يجب أن تكون موجودة بها.

النوادي الرياضية

لجأ “عبد الواحد” 29 عاماً موظف حكومي، إلى النوادي الرياضية بحثاً عن حمام ساخن، فدفع 25 ألف ليرة شهرياً ثمن اشتراك بالنادي، وهو ما يعادل ربع راتبه كموظف حكومي، يقول: “أجريت حساباتي، وخرجت بنتيجة أني أحتاج 4 أشهر للتسجيل في النادي الرياضي، حتى أستطيع الحصول ليس على عضلات مشدودة وجسم رياضي، بل على حمام ساخن فقط كلما احتجت، وبعد تلك الأشهر الأربعة يكون الطقس قد أصبح دافئاً نوعا ما فتسخن المياه أسرع”.

مثل عبد الواحد، العديد من السوريات والسوريين، الذين لجأوا لهذا الخيار، خصوصا أنه لا يوجد غاز منزلي ولا مازوت من أجل تسخين المياه اللازمة للاستحمام، يقول “رزق” وهو صاحب نادي رياضي في ضواحي العاصمة دمشق، إن عدد المشتركين لديه ازداد 3 أضعاف مع بداية فصل الشتاء، مع أن العادة جرت ألا يكون هناك موسم في الشتاء، والعمل الفعلي يبدأ غالبا منذ فصل الربيع، لكن حاجة الناس للحمام الساخن دفعتهم للإقبال على الرياضة.

انتشار القمل

مع غياب المياه اللازمة للاستحمام جراء غياب الكهرباء والتقنين القاسي، كان من المنطقي أن ينتشر القمل بين الطلاب في المدارس، ووفقا لمصادر خاصة فإنه لا يوجد مدرسة خالية من إصابات بالقمل، تزداد النسبة في المدن بخلاق القرى التي استطاع أهلها التغلب على الأزمة من خلال تسخين المياه على الحطب.

منتصف كانون الثاني الفائت، تفاجأت لبنى 32 عاماً وأم لطفلة وطفل في المرحلة الابتدائية وتعيش في مدينة جبلة، بوجود القمل في رأس طفليها، وحين واجهت مديرة المدرسة أخبرتها بأن ظاهرة القمل منتشرة بكثرة، وطلبت إليها الحضور للمدرسة للحصول على شامبو وبخاخ خاصين بعلاج الحالة، تقول لبنى ساخرة: “وكأن لدينا مياهاً ساخنة لنستطيع الحفاظ على نظافة أطفالنا”.

عانت لبنى كثيراً في مرحلة التخلص من القمل، واضطرت لشراء أسطوانة غاز منزلي من السوق السوداء بمبلغ 125 ألف ليرة، وواظبت على غسل ولديها حتى تم التخلص من القمل نهائيا بعد نحو 15 يوماً.

تضرر الأعمال

كان عمر 36 عاماً يعمل كصحفي مستقل، على وشك خسارة عمله كمحرر عن بعد مع أحد المواقع الإلكترونية الخليجية، نتيجة غياب الكهرباء وعدم قدرته حتى على شحن البطارية التي كان يستخدمها لشحن لابتوبه منها، قبل أن يستسلم ويستعين بألواح الطاقة الشمسية، إلا أن ذلك كلفه أكثر من 5 رواتب كاملة، ودفع نحو 7 مليون ليرة ثمن الطاقة الشمسية التي حصل عليها شهر تشرين الثاني الفائت.

الشركة الروسية هي السبب!

تقول مصادر في برلمان النظام السوري للاتحاد ميديا، إن الشركة الروسية التي تستثمر معمل السماد في محافظة حمص، تحصل يومياً على نحو مليون و500 ألف متر مكعب من الغاز، وهي كمية تكفي لتوليد نحو 1000 ميغا من الكهرباء، بدأت الشركة الروسية بالحصول عليها منذ عام 2020، وهو العام الذي بدأ السوريون خلاله بالمعاناة مع التقنين الكهربائي القاسي.

التصدير إلى لبنان

تؤكد مصادر خاصة أخرى، أن الحكومة السورية وافقت على مساعدة الحكومة اللبنانية منذ العام 2021 الفائت، بتأمين الطاقة، خصوصا بعد الصعوبات الكبيرة التي واجهها قطاع الطاقة اللبناني.

وبمقاطعة التصريحات والإعلانات الرسمية الحكومية، نجد أن حديث المصادر منطقي جداً، فخلال شهر تموز من العام الفائت، اعلنت وزارة النفط السورية عن وضع ثلاث آبار غازية في الخدمة، هي بئر دير عطية5 في دمشق، وبئر حجار7 في تدمر، وبئر شريفة   6في المنطقة الوسطى، وبعد شهر واحد أعلنت عن افتتاح بئر أبو رباح24  الغازي، ورغم أن وزارة النفط لم تذكر شيئاً عن نوعية الغاز المكتشف ما إن كان للاستخدام المنزلي أو لتوليد الكهرباء، إلا أن وزيرها بسام طعمة، أوقع نفسه في الفخ، حيث قال أواخر كانون الثاني لإذاعة شام إف إم المحلية، الفائت مبررا أزمة الغاز المنزلي، إن الغاز الذي تم اكتشافه في الآبار الغازية مناسب لتوليد الكهرباء وليس للغاز المنزلي، ما يعني أن هناك كميات كبيرة من الغاز اللازم لتوليد الكهرباء موجود، فأين يذهب إن كان وضع التقنين مايزال على حاله؟.

تقول المصادر ذاتها، إن إيصال الكهرباء إلى لبنان لا يتم بالمجان، إنما يجري بيعها والحصول على عائد مادي مهم يدعم خزينة الدولة، وتضيف أن الحكومة لم تعد قادرة على دعم قطاع الكهرباء، وبنفس الوقت لا تستطيع أن ترفع سعرها بسبب تدني الحالة المعيشية لكل السوريين، لذا فإن خيار منح لبنان الكهرباء مقابل عائد مادي كان حلاً مثالياً بالنسبة للحكومة، التي ينعم مسؤولوها بالخط الأمني والكهرباء 24 على 24 ساعة.

وعود قادمة

في لقاء تلفزيوني له عبر قناة الميادين اللبنانية مطلع شهر شباط الفائت، أكد وزير الكهرباء في حكومة النظام السوري غسان الزامل، أن وضع الكهرباء سيتحسن اعتبارا من مطلع نيسان القادم، بعد تأهيل المزيد من محطات التوليد، إلا أن مصادرنا تقول بأنها مجرد إبرة بنج جديدة تم منحها للسوريين، واليوم ومع استمرار الأزمة الأوكرانية، فإنها ربما تكون “شماعة” جديدة للحكومة لتقول إنه وبسببها لن تستطيع الالتزام بوعود تحسن الكهرباء كما قال وزيرها.

يذكر أن وزير الكهرباء كان قد وعد بعدم شرعنة الأمبيرات، مؤكدا أن الحكومة لن تسمح بها على الإطلاق وتلك الوعود كانت عام 2020، ومع دخولنا عام 2022، باتت الأمبيرات متوفرة في ريف دمشق وجبلة وطرطوس وحماة، إلا أن غالبية السوريين لا يستطيعون تحمل أعبائها المادية والتي تتجاوز الـ100  ألف ليرة أسبوعياً، ليبدو وكأنها وجدت لدعم فئة معينة من السوريين تلك التي تسطيع “الدفع”.

شارك المقال على:
مقالات ذات صلة:

تقارير وتحقيقات

آخر الأخبار

مساحة نسوية

أرشيف الاتحاد